بعد 30 عاما في الظلام.. ثلاثة إخوة في قنا يعودون للإبصار

بعد 30 عاما في الظلام.. ثلاثة إخوة في قنا يعودون للإبصار

سنابل الأمل / مصر

الأب: شكرا لله

الأم: فرحة أنتظرتها كثيرا.

الأبن جابر: رأيت بيتنا عكس ما توقعته.

عطيت الله: رأيت زوجتي بعد عامين من زفافنا.

أصغرهم محمد:الدنيا تغيرت للأفضل.

ولد الأشقاء الثلاثة محمد، عطيت الله، وجابر لأب وأم مبصران، وهم ينتمون إلى مركز الوقف بمحافظة قنا، وبسبب ظروف ولادتهم فإنهم لم يقيموا صداقات، فقط ابن عمهم محمد الذي يأتي للبيت من آن لآخر.

لم يكن يهمهم الوقت نهارا أو ليلا، فمن الطبيعي أن الكفيف عالمه ظلام دامس، وهنا تنشط حواس أخرى عنده مثل السمع واللمس، وتبقى القدرة على الخيال أكثر.

“الدستور” التقت الأخوة الثلاثة وابن عمهم الذي كان الداعم الوحيد لهم،والام، والاب أيضا في الحوار التالي.- محمد عبده عيد أحمد ابراهيم: الدنيا تغيرت للأفضل.

لم أكن أعرف ما الذي يعنيه النور، ان ترى شيئا اعتدت أن تتحسسه، هكذا بدأ محمد عبده،24 عاما، مؤكدا أن تبصر فهذا شيء رائع، لكننا أسرة فقيرة وتعبنا في المصروفات والتنقل للقاهرة كي نعمل متابعة.

بعد سنوات من الظلام يختلف كل شيء، فلا يمتلك محمد ذاكرة بصرية تعيده مثلا إلى سنوات مضت، وبالتالي كأنه ولد من جديد، ويقول:” الدنيا غريبة، لم أكن أتخيل انها جميلة بهذا الشكل، الآن أرى بيتنا، أمي وأبي، أنا ولدت أعمى، ولم اكن اعرف ما الذي يعنيه النور، ان ترى شيئا اعتدت ان تتحسسه.

كانت هناك محاولات قام بها اخوه عطيت الله للكشف ومحاولة الإبصار، ولكنه فاجأهم بأن التكاليف عالية، ويكمل محمد:” لم اكشف من قبل على عكس اخوتي الذين ذهبوا للكشف على امل ولكن العمليات ملكفة جدا، ومن أين لنا بكل هذا المال ونحن بالكاد نعمل في أرض بيومية ضعيفة، وبالتالي كان هذا مستحيلا، فقتلنا ذلك الحلم في الابصار، واقتنعنا أننا سنظل عميانا للنهاية، وإلى أن نموت”.

أما عن عملهم فكان غريبا بعض الشئ، هم يقومون بتحويل الماء في الأرض الزراعية المترامية الأطراف، يقول: “نحن لا نملك ارضا ولكننا ولكن نعمل باليومية، اعتدنا ان نذهب يوميا فحفظنا الطريق، كنا نسقي ونحول الماء ونحش البرسيم ونسبخ الأرض”.

أما عن العملية التي تكفلت بها مؤسسة صناع الحياة فتابع:” حين اخبروني بالعملية لم اكن أتوقع نجاحها، ولم أفكر في أنني سأبصر يوما.

حين يصاب الانسان بالعمى تنشط لديه حاستان، السمع واللمس، فبدأ محمد يوزع بصره الغائب على أذنه ويداه، يسمع ويتحسس،: حين رأيت النور حمدت الله ورايت الدنيا تحلو في عيني بعد 24 عاما من الظلام، وبعد المستشفى كنت اتحسس جدران بيوتنا ولم يكن لدي امل انني سارى بيتي هذا، ورايت الدنيا غريبة تماما، كانني مولود الان، كنت أتعامل بالحس، اتحسس كل شيء، ورايت والدي ووالدتي لأول مرة واخذت يوما كاملا لكي اتعرف على الاشكال هل هي الاشكال التي كنت اتخيلها..عطيت الله عبده: رأيت زوجتي بعد عامين من زفافنا.

عطيت الله عبده هو أكبر الأشقاء يبلغ من العمر ثلاثين عاما، تزوج منذ عامين من جارة لأخته التي تسكن في الأقصر بالرزيقات قبلي مركز أرمنت يقول: لم أتوقع أن أرى النور أبدا، كأنني اعتدت حياتي في الظلام، لم أدخل مدرسة يوما، كانت تحدث كثير من المواقف التي تضحكني الآن، لكن في وقتها كانت تسبب لى وجعا.

أما حكاية زواجى فيها موقف طريف، وهي أن أختى السبب في الزيجه، قالت لي إن جارتها ستوافق على الزواج مني، وبالفعل ذهبت إلى القرية التي بها أختي في مركز أرمنت، ورأتني العروس ووافقت، وبالفعل تزوجنا منذ عامين، وبعد الإبصار رجعت لأراها لأول مرة.

عطيت الله لم يتعلم، لكنه كان يذهب إلى عمله في الأرض الزراعية مع اخوته، ثلاثة من المكفوفين يعرفون طريقهم بشكل غريب، ويقول:” كنا نمشي بنور الله، ونعرف ما نفعله في الأرض، ننزل إلى البئر والتي عمقها 22 مترا، كنا نعتمد على الله، وتعلمنا من نسيبنا محمد عبد الكريم، الذى كان معنا مثل يدنا التي تعيننا.

جابر: رأيت بيتنا عكس ما كنت اتوقع.الأخ الأصغر جابر، 20 عاما، الوحيد الذي دخل مدرسة النور للمكفوفين بقنا، وصل إلى الصف الثالث الثانوي، يقول: تعلمت في مدرسة معهد النور للكفوفين بقنا، وانا حاليا في الصف الثالث الثانوي، وطموحي ان أدخل كلية، وسابدا اتعلم الكتابة البصرية بخلاف طريقة البرايل.

ويكمل: كان ابن عمي يمشي امامنا ويعلمنا كيف نمشي وراء الزراعة، الى ان تعلمنا، والبركة فيه، ومرة نقع ومرة نعرف ومرة نخطئ إلى ان تعلمنا ما نفعل،واعتدنا ان نفعله كل يوم، كأن نقوم بحش الحشائش أو أن نشغل ماكينة المياه، او ان نحول المياه من قطعة إلى أخرى وهكذا.

أما عن حلمه جابر يقول: نشأنا وسط العمى ولم نكن نرى شيئا، وأخوتي ليس لهم ملاذ في تعليم او غيره، ولكن بعد ان ابصرنا وجدنا ان احلامنا اتسعت، وبالتالي لا بد من متكئ للعيش،لذلك نناشد محافظ قنا ان يتكفل لنا بمشروع نسترزق منه ويستمر.

ويتابع: كل يومين نحتاج 600 جنيه للقطرة، والابصار لم يعد مرة واحدة ولكنه عاد تدريجيا من خلال العلاج، وهو مكلف جدا، فنحن نذهب إلى المستشفى بالدقي فى القاهرة، الثلاثاء من كل أسبوع، وبالتالي نحن لا نقدر على كل هذه التكاليف، ولا نعرف ماذا نفعل؟.

محمد عبد الكريم: توفير مشروع صغير للأشقاء الثلاثة.

محمد عبد الكريم يعتبرونه ولي أمرهم، يدير لهم حيواتهم وهم لا يبصرون، وبعد الابصار ظل يبحث لهم عن حياة كريمة، يقول محمد:” أنا ابن عم الثلاثة ومتزوج من اختهم، ولدي بنتان، في البداية لم اكن معزولا عن بيتهم ولا اذهب للمقاهي وهم لا يخرجون ابدا، ونحن نحتاج الى ان نخرج في الهواء، بالنسبة لهم فان الامر غير مختلف من داخل البيت عن خارجه، ولكن ان تظل في البيت لمدة 24 ساعة ف ياليوم فهذا صعب جدا، ولكنهم اعتادوا عليه، وكانت البداية، وقالوا لا احد يجلس معنا، وظللنا نجلس مع بعضنا”.

وعن مراحل إبصار الاخوة الثلاثة، يؤكد محمد عب الكريم، أنهم لم يكن لديهم امل في الابصار، عطيت الله ذهب للكشف وعرف ان بامكانه الابصار ولكن العملية مكلفة وبالتالي لا يمكن لهم ان يوفروا مثل هذا المبلغ، وبالتالي كان التفكير في الامر ليس يسيرا حتى أن جابر ومحمد امتنعا عن الذهاب للكشف، وذاع خبر الاشقاء بالنجوع والقرى المجاورة، وعرف الكل بأن هناك ثلاثة إخوة مكفوفين يعملون في الأرض، وجاءت صحفية فأنتشر أمرهم وبعدها جاء من يصورهم فيديو، حتى تواصلت معهم مؤسسة صناع الحياة وتكفلت بنفقات العملية، كما تواصلت معهم بعض الجمعيات التي أرسلت إليهم مساعدات، وكرمهم محافظ قنا ومنح كل واحد ألف جنيه وشهادة تقدير، لكننا نحتاج من المحافظ أن يوفر لهم مشروعا حتى يستطيعوا الانفاق منه على أنفسهم.

الأم:

فرحة كنت أنتظرها.قال والدة الأشقاء الثلاثة إنها كانت تشعر أنه في يوم سيبصر أبناؤها، كان حلما بعيدا ولكنه لم يكن صعبا على قلب أم تتمنى كل الخير لأبنائها، تقول: هي فرحة كبيرة تمنيتها ورأيتها، شعرت بالخير كله في البيت، ولكن كل وقت وله ميعاد، وكنت اشعر انهم سوف يبصرون، كان حلما كبيرا ولكنه بعيد وقربه الله على يد أولاد الخير.

وتكمل: فرحت ثلاث مرات، كل منهم لا استطيع وصفها، تخيل فرحة الأم حين يراها ابنها، جابر، وقال: انت امي، واخذني بالحضن، الولد عرفني بدون ان يقول له أحد، قلت له هل ترى النور يا جابر، فقال لي النور كله في وجهك يا امي، تخيل.. كنت أخاف الا يعرفني، ولكنه عرفني واحتضنني وبكيت كثيرا.مثل قلب كل ام كانت تحس بابناءها، واكمل الله فرحتها بابصارهم واحدا تلو الآخر، وعوضها عن سنين كثيرة رأتهم يتخبطون في ظلام دامس، تقول: ثلاثين عاما لم ينقطع فيها رجائي لله، ثلاثين عاما وانا ادعوه ليل نهار حتى استجاب سبحانه ومهما قلت فلا استطيع ان اصف لك مشاعري كأم لكني من خلال جريدتكم اشكر كل من كانت له يد في هذا الأمر، الدكتورة رانيا ومؤسسة صناع الخير وكل قلب طيب في هذا البلد، انا لم اكن أتوقع ان يبصر ابنائي حتى وان كنت احلم، لكن الله حقق حلمي فشكرا لله”.

الأب: شكرا للهوالد الأشقاء قال إنه فرحان بابصار ابناءه، متابعا: اطلب من المحافظ أن يساعدهم، فأنا لا اقدر على العمل، ولم اكن أتوقع انهم سيرونني، لكن الله حقق رجاءنا وابصر ابناؤنا، وأحمد الله على كل شيء.

عن أنوار العبدلي

اضف رد