اضطراب التوحد الأسباب الخفية بقلم د. رضوان أبو ركبة

اضطراب التوحد الأسباب الخفية بقلم د. رضوان أبو ركبة

سنابل الأمل / كتابات- بقلم د. رضوان عبدالرحمن أحمد أبو ركبة

يعتبر اضطراب التوحد واحد من الاضطرابات النمائية التي تؤرق جميع الدول المتقدمة والنامية وذلك لعدم التوصل إلى الاسباب الحقيقية والعلاجات المناسبة لهذا الاضطراب الآخذ بالازدياد في جميع أنحاء العالم.

وفي هذا المقال سأحاول التركيز على الأسباب الخفية وبعض أعراض التوحد والأساس الفسيولوجي لها. اضطراب التوحد يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالجانب الحسي لدى الإنسان وتكامل المعلومات والخبرات التي تمر عبر حواسنا إلى الدماغ وارتباطها بشكل متكامل لكي نستطيع تنظيمها بشكل يظهر استجابات سلوكية سوية وطبيعية لدى الأفراد.

فالصغار والكبار الذين يعانون من اضطراب التوحد مثلهم مثل باقي الآخرين الدبن يعانون من الإعاقات النمائية الأخرى، وبالتالي فهم يعانون من جهاز حسي مضطرب، بحيث أنه في بعض الأحيان يكون واحد أو أكثر من الاحساسات لها استجابة قوية أو ضعيفة للمثيرات التي يتعرض لها الفرد ومثل هذه المشكلات الحسية ممكن أن تكون الأسباب المخفية لمثل هذه السلوكيات مثل سلوك الاهتزاز (هزهزة الجسم للخلف والأمام) أو الدوران باستمرار أو رفرفة اليد.

وعلى الرغم أن المستقبلات الحسية تقع في الجهاز العصبي المحيطي، إلا أن أساس وجذور هذه المشكلة تنبع من اضطراب عصبي في الجهاز العصبي المركزي وخاصة في الدماغ.ويعرف عضو الإحساس بأنه تركيب متخصص يتكون من خلايا مستقبلة وأخرى مساندة، يستبين التغيرات البيئية وينقل المعلومات إلى الجهاز العصبي المركزي.

وهناك من قام من العلماء بتقسيم الحواس إلى خمسة وهي حاسة البصر والسمع والشم والتذوق واللمس, كما ويمكن تقسيمها أي الحواس حسب نوع المستقبلات التي تستقبلها الحواس, فهناك المستقبلات الضوئية وتتمثل في حاسة البصر والتي تقوم باستقبال الضوء المنعكس عليها, وهناك المستقبلات الصوتية وتتمثل في الأذن, وهناك المستقبلات الكيميائية والتي تتمثل في حاسة الشم والتذوق, وهناك المستقبلات الميكانيكية والتي تستجيب للمس والضغط والجاذبية والحركة, والمستقبلات الذاتية والتي تستجيب باستمرار للحركة والتوتر داخل العضلات والمفاصل.

والتكامل أو الدمج الحسي هو عملية عصبية بيولوجية فطرية تعزى إلى دمج وتفسير الآثار الحسية من البيئة بواسطة الدماغ، والتوحد هو عبارة عن اضطراب في التكامل الحسي بحيث تكون فيه المدخلات الحسية غير مندمجة وغير متكاملة وغير مترابطة وغير منظمة بشكل مناسب في الدماغ وبالتالي تؤدي إلى درجات مختلفة من المشكلات في النمو والتطور لدى الفرد وفي معالجة المعلومات كما وتؤدي إلى استجابات سلوكية غير طبيعية وغير منظمة.

وعندما نتحدث عن التكامل الحسي فإننا هنا نركز بشكل أساسي على ثلاثة حواس أساسية وهي اللمس والتجويف الدهليزي (الذي يحتوي على القنوات نصف الدائرية الموجودة في التركيب الداخلي لجهاز السمع) والمستقبلات الذاتية, وهذا الارتباط الداخلي بين الحواس الثلاثة يبدأ بالتكوين قبل الولادة أي خلال فترة الحمل ويستمر في النمو حتى يصبح الفرد ناضجاً ويتفاعل مع البيئة التي يعيش فيها, وهذه الحواس الثلاثة ليست فقط متداخلة مع بعضها البعض ولكنها مرتبطة أيضاً مع أجهزة أخرى في الدماغ, وعلى الرغم أنها مألوفة بشكل أقل من حاسة الرؤية والسمع إلا إنها ضرورية لبقاء الإنسان, فالعلاقة المتداخلة بين هذه الحواس الثلاثة تعتبر غاية في التعقيد, فهي تسمح لنا أن نحس الخبرة أو المثير ونفسره ونستجيب للمثيرات المختلفة في البيئة, وسنلقى نظرة أوسع وأشمل على هذه الحواس الثلاثة والأعراض التي تظهر على الطفل المصاب بالتوحد والإعاقات النمائية الأخرى لكل حاسة على حده:

أولاً: جهاز اللمس: يشمل نهايات الأعصاب تحت سطح الجلد والتي تقوم بدورها بنقل المعلومات للدماغ. وهذه المعلومات تشمل اللمس الخفيف والألم والحرارة والضغط، وهي تلعب دوراً مهماً في إدراك المثيرات البيئية بالإضافة إلى ردود الأفعال أو الاستجابة الوقائية من أجل البقاء. واضطراب جهاز اللمس ممكن أن نلاحظه على الطفل في الانسحاب عند ملامسة الطفل، رفض الطفل أكل بعض المأكولات ذات الملمس الخشن، يلبس الملابس الخفيفة ويتجنب الملابس الثقيلة ذات الملمس الخشن، يشكو الطفل عندما نغسل وجهه أو شعره، يتجنب الطفل أن تلمس يديه الرمل أو الطين وألوان الرسم، يستخدم أطراف أصابعه فقط عند مسك الأشياء ولا يستخدم كل يده.

إضافة إلى ذلك فإن اضطراب جهاز اللمس يؤدي إلى سوء إدراك اللمس والألم ويمكن أن يعزل الطفل نفسه ويصاب بتهيج عام وتشتت في الانتباه وفرط في الحركة.

ومقاومة اللمس عند الطفل هي حالة يكون فيها الفرد حساس بشكل كبير جداً للمس الخفيف، وعلمياً أثبت أنه عندما يمون الجهاز الحسي غير ناضج ولا يعمل بشكل صحيح ومناسب، فإن ذلك يؤدي إلى إشارات عصبية غير طبيعية يتم ارسالها إلى قشرة الدماغ حيث مركز الإدراك والتي تؤثر على عمليات أخرى بالدماغ، وهذا بالمقابل يؤدي إلى استثارة الدماغ بشكل عنيف مما يؤدي إلى حدوث نشاطات كبيرة داخل الدماغ مما يؤثر على عملية تنظيم المعلومات داخله. وهذا النوع من الاستثارة الزائدة للدماغ يجعل من الصعوبة على الفرد أن ينظم سلوكه وتركيزه ويؤدي إلى استجابة انفعالية سلبية بالنسبة للإحساس باللمس.

ثانياً: الجهاز الدهليزي: هو عبارة عن التركيبات الموجودة في الأذن (القنوات نصف الدائرية) والتي تقوم باكتشاف الحركة والتغيرات بالنسبة لوضعية ثبات الرأس. على سبيل المثال الجهاز الدهليزي يخبرنا متى يكون الرأس في وضع قائم، ومتى تكون منحنية إلى الأمام أو إلى الخلف أو جانباً حتى عندما تكون العيون مغلقة.

واضطراب الجهاز الدهليزي يؤدي إلى نوعين من الأعراض. فبعض الأطفال يكون ذو حساسية عالية بالنسبة لاستثارة الجهاز الدهليزي ويوجد عند هؤلاء الأطفال استجابات الخوف للأنشطة الحركية العادية وكما ويوجد صعوبة ومشكلات عندما يتسلق تلة أو الصعود على الدرج وبخافون من المشي أو الزحف على الأسطح الغير ثابتة. لذلك فإنهم يخافون من وجودهم بالنسبة لوضعهم في الفراغ. وبشكل عام هؤلاء الأطفال يبدون أغبياء وغير بارعين.

في المقابل فإن النوع الثاني من الأعراض يتمثل في الأطفال الذين يريدون التعرض لتجارب حسية كثيفة مثل الدوران باستمرار، القفز أو هزهزة الجسم. هذا النوع من الأطفال استجابة ضعيفة بالنسبة للجهاز الدهليزي فهم يحاولون باستمرار استثارة جهازهم الدهليزي.

ثالثاً: جهاز المستقبلات الذاتية: وهي عبارة عن مكونات العضلات والمفاصل والأربطة والتي تزودنا بالوعي بالنسبة لوضع الجسم. فعندما تعمل المستقبلات الذاتية بشكل فعال فإن وضع الجسم يتكيف تلقائياً مع الحالات المختلفة. فعلى سبيل المثال جهاز المستقبلات الذاتية يزودنا بالإشارات الضرورية عندما نجلس على الكرسي أو نطلع على حافة الرصيف أو عندما نتعامل مع الأشياء باستخدام الحركات الحركية الدقيقة مثل مسك القلم، واستخدام المعلقة لتتناول الشوربة، أو تزرير القميص.

وبعض علامات اضطراب جهاز المستقبلات الذاتية يشمل عدم الاتقان، السقوط على الأرض، نقص الوعي بالنسبة لوضع الجسم بالفراغ، يزحف قليلاً عندما يكون صغيراً، صعوبة في التعامل مع الأشياء الصغيرة مثل أزرار القميص، الأكل بطريقة غير مقبولة، كما ويوجد عنده رفض للنشاطات التي تشمل المهارات الحركية الجديدة، إضافة إلى ذلك فهؤلاء الأشخاص يوجد عندهم نقص في عملية التخطيط الحركي، فهم يعانون من عدم القدرة على تخطيط وتنفيذ مهارات حركية مختلفة.

بشكل عام إن علامات اضطراب هذه الأجهزة الثلاثة يظهر بطرق مختلفة، فالطفل ممكن أن تكون استجابته عالية أو ضعيفة بالنسبة للمدخلات الحسية، ومستوى النشاط ممكن أن يكون عالي أو منخفض وفي كلتا الحالتين يمون غير طبيعي، ويشعر الطفل بالإجهاد بسرعة.

كما يعاني الطفل من مشكلات في التآزر الحركي بالنسبة للحركات الدقيقة والحركات الكبيرة، كما أنها ممكن أن تؤدي إلى تأخر اللغة والكلام وانخفاض التحصيل الدراسي. سلوكياً فالطفل يصبح مندفع ويتشتت بسهولة ويظهر عليه نقص عام في التخطيط، كما أن بعض الأطفال يوجد عندهم صعوبة في التكيف مع المواقف الجديدة ويستجيب لها بالإحباط والعدوانية والانسحاب.

عن أنوار العبدلي

اضف رد