أصحاب الهمم “3”.. أعمى أضاء العالم

أصحاب الهمم “3”.. أعمى أضاء العالم

سنابل الأمل / متابعات

كان واقع المكفوفين في العالم حتى نهاية القرن الثامن عشر بائسا ومأساويا، يحاصرهم الجهل والأمية رغما عنهم ولا توجد لديهم أية آليات تمكنهم من القراءة أو الكتابة بل ويقتصرون في تلقيهم للمعرفة على المشافهة فقط، ولا يمكنهم ترجمة أفكارهم وأحاسيسهم ورؤاهم بنقلها على الورق، كل وسائلهم للتواصل مع الآخرين وتواصلهم مع الآخرين قاصرة على قدرتهم القيام بالأعمال اليدوية البسيطة التي يتقوتون منها أقل القليل.

ظل هذا الوضع المذري قائما حتى شاء القدر إصابة لويس برايل بالعمى ليضيء للعالم – بمصيبته تلك – الطريق لكل بوابات المعرفة ويصبح بحق القائد الحقيقي للثورة المعرفية للعميان فيما بعد وذلك من خلال ابتكاره لطريقة برايل التي تعتمد اعتمادا كليا على حاسة اللمس في القراءة والكتابة والتي أصبحت بعد ذلك النظام العالمي الوحيد في محو أمية فاقدي البصر في العالم كله.

فُطِرَ لويس برايل على تنوع الثقافات وحب العلم والمعرفة، كان عازفا للأرغو ومدرسا ومبتكرا، وُلِدَ بفرنسا في 4 فبراير 1809 في مدينة اسمها ” كوبفراي ” شمال باريس، عاش لويس برايل السنوات الثلاثة الأولى من حياته مبصرا، كان أثناءها يذهب مع والده إلى ورشته للمصنوعات الجلدية، وفي مرة من إحدى المرات وبينما كان لويس يلعب في ورشة أبيه بإبرة كان يستخدمها الأب في تثقيب الجلد، انفلتت الإبرة من يده لتصيب إحدى عينيه بالعمى وخلال شهور معدودات أصيبت العين الأخرى بالعدوى ولم يصل للخامسة من عمره حتى فقد نور عينيه للأبد.

وعى الأب خطورة التحول الذي طرأ على حياة الطفل، وأنه – من الآن فصاعدا – بات في حاجة ضرورية للمزيد من الرعاية والعناية والدعم، لذلك كانت أول الدروس التي حرص الأب لابنه هو كسر أسوار العاهة والسعي لتلقي العلم والمعرفة والاعتماد على النفس في الحركة وبناء جسور المودة بينه وبين سكان المدينة الذين تعلقوا به فعلا وأُعجِبوا بذكائه وكانوا نقطة انطلاقه لكسر الحصار المفروض عليه بحكم واقعه المؤلم.

كانت مشكلة الأب الحقيقية هي أين يتعلم ابنه؟ ومن سوف يعلمه؟ بدأ يسأل من حوله في تلك المسألة حتى دله البعض على معهد في باريس لتعليم العميان وقد تأسس عام 1785، بالطبع فَرح الأب بوجود مكان سوف يتعلم فيه ابنه وألحقه بهذا المعهد ولم يكن تجاوز العاشرة من عمره، وهناك أبدى براعة فائقة وذكاء حادا في المعرفة بالحروف الهجائية وأرقام الحساب والتاريخ والجغرافيا وفي حفظ تلك المواد، لكن السؤال الذي كان يشغله دائما: كيف سيكتب وكيف سيقرأ وكيف يمكن أن يحول ما برأسه لمادة مكتوبة على الورق؟

في تلك الأثناء كان المربي الفرنسي ” فالونتير أوي ” مشغولا بتلك القضية وقد نجح في أن يتوصل – بعد دراسة وتأمل – لإمكانية توظيف حاسة اللمس عند المكفوفين في القراءة، من خلال تحويله لحروف اللغة الفرنسية التي يكتبها المبصرون بنفس الشكل لحروف بارزة بحفرها على ورق سميك بالاعتماد على ريشة حديدية يمكن للكفيف أن يتلمسها بطرف أصبعه.

وبالرغم أن لويس قد درس في المعهد تلك الطريقة بل وأجادها إجادة تامة إلا أنه رآها غير عملية، فقراءتها ليست سهلة نظرا لثقل وزن الورق بالنسبة للأطفال ولكبر حجم حروفها والتي كانت تصل أحيانا لثلاث بوصات بالنسبة للحرف الواحد.

هنا بدأ لويس يفكر في البحث عن أسلوب آخر يتعلم من خلاله المكفوفون، أسلوب يمكن أكثر بساطة وسهولة في التطبيق في تلك الأثناء وتحديدا في سنة 1821، زار ضابط المدفعية السابق ” شارل باربيه دولاسير ” معهد المكفوفين في باريس، حيث قدم لمديره ابتكارا جديدا للكتابة باستخدام اللغة البارزة المعتمدة كليا على النقط، والتي كانت تصل أحيانا لحوالي 12 نقطة للحرف الواحد، وكان بربيه قد ابتكرها أول الأمر لكي يستعمله جنوده في نقل الأخبار والمعلومات والرسائل خاصة في الظلام، وقد رآها بربيه مناسبة للمكفوفين في الاستعمال، رغم سن لويس فقد أجاد أيضا هذا الابتكار الجديد إلا أنه وجده غير عملي؛ لأن وصول عدد النقط إلي اثني عشر أمرًا سيصعب إدراكه بأطراف الأصابع، لذلك قرر لويس تطوير فكرة باربيه وتقليص عدد النقط إلى ستة على الأكثر، وقد ساعده في تنفيذ فكرته هذه المكعبات التي سبق أن صنعها له والده قبل سنوات وكانت أسطحها مقعرة بينما كانت نقاطها الستة بارزة، وخلال عامين نجح لويس في تطوير طريقة برايل وتعليمها لأصدقائه وأساتذته ولم يكن وقتها قد تجاوز السادسة عشرة من عمره.

عارض الكثيرون طريقة لويس الجديدة باعتبارها قد تزيد من عزلة المكفوفين نظرا لخصوصية اللغة المكتوبة بها لكنه أصر على صحة وجهة نظره ونادى بتعميم طريقة برايل على جميع المكفوفين في فرنسا، لكن دعوته باءت بالفشل لكنه لم ييأس بل واخترع رموزا للموسيقى والأرقام، وللأسف الشديد لم يتم اعتماد طريقة كتابة برايل طيلة حياة لويس وقد فارق الدنيا وهو في سن الثالثة والأربعين وذلك في سنة 1852، وبعد سنتين فقط من رحيله اُعتمِدَت طريقته وتم تعميمها في كل أرجاء فرنسا ليتعلمها المكفوفون ثم طبقتها ألمانيا ثم طُبِّقَت في مدارس المكفوفين في كل بلدان العالم ويُصبِح اسم لويس الذي فقد عينيه في حادث مؤلم عنوانا لتلقي العلم والمعرفة من جانب من حرمهم الله نعمة البصر.

عن أنوار العبدلي