دليل سيكولوجي لأسرة الطفل المتأخر عقليا

دليل سيكولوجي لأسرة الطفل المتأخر عقليا

سنابل الأمل / كتب- محمد الحمامصي

 

أكدت د. رضوى فرغلي استشارية العلاج النفسي أن التأخر العقلي اختبار صعب، وامتحان حقيقي لإنسانيتنا وقدرتنا على العطاء بلا مقابل، بلا انتظار لطفل يمد اسم العائلة بالزواج والإنجاب، بلا توقع لتحقيق أحلامنا الخاصة فيه، وربما بلا قدرة على الامتنان أو رد الجميل لتعبنا ومجهودنا سنين طويلة. 

 

 

وسعت في كتابها “الصحة الجنسية والنفسية.. دليل لأسرة الطفل المتأخر عقليا” الصادر أخيرا عن الدار المصرية اللبنانية إلى إزاحة ستار المفاهيم الخاطئة والأساطير حول التأخر العقلي وخفض مستوى المخاوف والقلق النفسي، ورفع درجة الوعي والدافع الايجابي لدى الأسرة التي يعاني أحد أفرادها من التأخر العقلي من خلال تقديم نبذة تاريخية عن الاعاقة، وتطور الأساليب وطرق التعامل مع المرضى، وغير ذلك مما اتخذته تمهيدا لهدفها الثاني من الكتاب حيث تقوم بعرض تصنيفات الإعاقة على أساس الأسباب المرضية، القدرة العقلية، المستوى التعليمي، وأخيرا على أساس النمط الإكلينكي، ومن ثم يمنح الكتاب القائمين على رعاية الطفل فرصة ملاحظة الأعراض والتغيرات على مظهر وسلوك أولادهم منذ الولادة.  

 

 

ورأت فرغلي أن التأخر العقلي قد يصبح صخرة تتحطم عليها أحلام معظم الآباء، وقالت “معادلة قاسية أحد طرفيها آمال أسرية مخذولة، بينما الطرف الآخر طفل لا حيلة له في الأمر. تلك الصدمة قد يتجاوزها البعض متقبلا قضاء الله وقدره؛ إذ يحاول ترتيب أوراقه مرة أخرى والالتفات نحو طفله بعين العطف والحنان، باعتباره إنسانا له حق في حياة كريمة بغض النظر عن قدراته أو ظروفه الصحية التي لا يد له فيها، بينما تتوقف الحياة بآباء وأمهات آخرين عند حدود النرجسية والإحساس بهزيمة طموحاتهم في ابن كانوا يعولون عليه كثيرا، ويحلمون أن يتخرج يوما ضابطا أو مهندسا، أو بنت كان من الممكن أن تصبح طبيبة أو مهندسة ديكور. وبالتالي لا يكفون لحظة عن التفكير السلبي في طفل يعتبرونه امتدادهم “الضامر” وحلمهم “الضائع” في الحياة، والذي يظل عئبا عليهم طوال الوقت! ويزيد من صعوبة الموقف عدم توقع الآباء لإنجابهم طفل بهذه الظروف. فعلى الرغم من وجود معلومات لديهم عن الأمراض الوراثية أو ربما بعض المؤشرات المرضية أثناء فترة الحمل، أو تاريخ مرضي للعائلة، فإن الأسرة غالبا ما تستبعد إصابة أولادها وتتوقع إستقبال طفل سليم.

 

وجود طفل متأخر عقليا في الأسرة، لا يعني بالضرورة مصدرا للاحباط والخذلان فقط، وإنما قد يجد فيها بعض أصحاب النفوس الصافية والقلوب الكبيرة تجربة روحية.

 

 

ولفتت فرغلي إلى أنه من خبرتها العلمية كاستشارية علاج نفسي، وجدت أن مواقف الأهل وردود أفعالهم تجاه صدمة “الإعاقة” ليست واحدة، بل تنوعت باختلاف شخصية وثقافة الآباء، ودرجة توقعاتهم، وقوتهم النفسية، وقدرتهم على تحمل الضغوط ومواجهة المشكلات، وطبيعة العلاقة الزوجية بين الأبوين، وغيرها من العوامل. التقيت آباء كثيرين لا يدخرون جهدا أو مالا أو عواطف لمساندة أبنائهم واحتواء مشاكلهم والبحث عن أي وسيلة تخفف عنهم الألم وتساعدهم على تحسين قدراتهم، وإن تنقصهم المعلومات والخبرة فإنهم يبحثون عن مصادرها ليحققوا أعلى درجة دعم لأولادهم.

 

 

وأضافت أنه على الجانب الآخر، قابلت آباء وأمهات يسيطر عليهم الاكتئاب، أو الإحساس بالذنب ولوم أنفسهم، أو الغضب والإلقاء بالمسئولية على شخص ما، لما آل إليه مصير طفلهم ويغلب عليهم العناد في الإعتراف بآدميته، فيعاملونه بقسوة لا يعامل بها “الحيوان”! إلى درجة محاولة التخلص منه بعد الودلادة مباشرة، أو إيداعه مؤسسة رعاية دائمة، وربما إهماله تماما وتركه تحت رعاية شخص غريب (جليسة، خادمة، ممرضة) لتكريس الانفصال عنه لا شعوريا.

 

 

وأوضحت فرغلي أن تلك المشاعر السلبية ليست حكرا على مجتمعاتنا العربية فقط، إنما هي مشاعر إنسانية تغلب على البعض في كل مكان، فحسب دراسة أجراها المكتب الإقليمي لمنظمة الصحة العالمية في جنوب شرق أسيا، وجد الباحثون أنه عندما يولد طفل مصاب بالتأخر العقلي، فإن رد الفعل الأولى في معظم العائلات هو “الكآبة والعذاب”. وأحيانا يراود الأهل سؤال مؤلم: لماذا نحن؟ وربما يلقون باللوم على شخص أو شيء ما ليكون مسئولا عن هذه المأساة الأسرية. وتحديدا داخل الشرائح الفقيرة، فوجود طفل “معاق” يعد مأساة مزدوجة، ليس فقط لأنه غير قادر على المساهمة الاقتصادية، وإنما لأنه يحتاج أيضا إلى رعاية إضافية تستنزف موارد الأسرة. ومن ثم، فإن “الإعاقة” لا تؤثر فقط على الطفل المريض لكن على الأسرة والمجتمع ككل. وقد أسهمت التطورات العلمية والاجتماعية في الحد من تأثير هذه المشكلة ووضع استراتيجيات للوقاية الأولية، من أهمها التوعية الأسرية والإرشاد. 

 

 

ولكن وفقا لـ فرغلي فإن الصورة ليست سوداء تماما “لأنني لاحظت من خلال التواصل المباشر مع عائلات الأطفال المتأخرين أن بعض الأسر التي تكن مشاعر سلبية للطفل، يتغير موقفها إيجابيا بعد خضوعهم لجلسات إرشاد نفسي، أو تلقيهم العلاج النفسي التدعيمي والمعرفي، أو توجيههم اجتماعيا واحتوائهم انفعاليا والتعاطف مع مشاكلهم حتى يتخطوا مرحلة الصدمة، لأنهم في النهاية بشر يحتاجون إلى المساندة النفسية. 

 

 

كما أن فهم الأسرة لحقيقة المرض وإمكانية تخفيف أعراضه سواء عن طريق العلاج الدوائي أو النفسي، وتوافر البرامج السلوكية وتدريبهم على كيفية التعامل مع الطفل وتقبله، كل ذلك يساعد الأهل على الاتزان النفسي ومواصلة أداء دورهم بإيجابية، فالأسرة تبقى النواة الإجتماعية الأولى التي إما يستمد منها الطفل هويته ويكون من خلالها ملامح شخصيته ويتجاوز ضعفه ويطور إمكاناته، أو يترسخ داخله عجزه التام. من هذا المنطلق جاءت فكرة هذا الكتاب كدليل سيكولوجي للمتعاملين عن قرب مع الأطفال ذوي التأخر العقلي، وفي مقدمتهم الأسرة”.

 

وعرضت فرغلي وحللت أكثر المتلازمات شيوعا في ارتباطها بالتأخر العقلي ممثلة في 12 متلازمة منها متلازمة داون ومتلازمة هيرلر ومتلازمة x الهش، ومتلازمة ليش ـ نيهان ومتلازمة ريت، وراعت أن يكون عرضها وتحليلها سلسا مبسطا ليناسب كل الأسر من مختلف الفئات الإجتماعية، يأخذ بيدهم نحو فهم معظم المتلازمات الوراثية والإعاقات العقلية وأنواعها، وأسبابها، وأعراضها وكيفية الوقاية منها أو تجنب بعضها على الأقل، واحتياجات الطفل من الناحية النفسية والإجتماعية والعاطفية، والمشكلات التي تواجهه في مراحل حياته المختلفة، وكيف نخفف منها.
وأشارت إلى إن هذه المتلازمات وغيرها التي تؤثر على القدرات العقلية للطفل تؤثر أيضا على الجانب النفسي والانفعالي والسلوكي لهم، وبالتالي لا تحتاج فقط إلى العلاج الدوائي وإنما إلى علاجات نفسية أيضا، حيث يمكن للتدخلات المبكرة والملائمة أن تساعدهم في تحسين المهارات الفكرية والسلوكية.

 

وقالت فرغلي “بما أن الحياة الجنسية لذوي الأعاقة في مراحل حياتهم المختلفة، من أهم المشاكلات التي تواجه الأهل، حيث تقف بعض الأسر عاجزة أمام محاولات التحرش أو الاعتداء الجنسي على الطفل والحمل غير المرغوب فيه للفتيات، وخطورة ذلك النفسية والجسمانية والاجتماعية، وكيف يمكن للأبوين أو القائمين على الرعاية، إكتشاف ذلك في مرحلة مبكرة. ومن قبل ذلك، كيف يستطيع الأهل توعية وتثقيف أولادهم كنوع من الوقاية وتجنب تلك التجارب المؤلمة التي غالبا ما يتم التعتيم عليها وكتمانها خوفا من الفضيحة، أو لعدم قدرة الطفل المتاخر على البوح بأسراره، سواء بدوافع الخوف من المعتدي أو العجز عن التعبير.

 

من أجل كل هذه التداخلات المتشابكة، خصصت فصلا من الكتاب من أجل إلقاء الضوء على هذه القضية المهمة وكيف يتصرف الأهل معها، ودورهم في حماية أولادهم من خبرات الإساءة الجنسية وما يترتب عليها، ومناقشة الجدل الدائر حول العلاج الهرموني أو استئصال الرحم للفتيات، كحل طبي في مواجهة الاستمناء غير اللائق أو فرط النشاط الجنسي أو الخوف من الحمل غير الرغوب فيه، وهل هذه إجراءات صحية وأخلاقية أم لا؟ والطرق الأكثر أمانا لمواجهة تلك المشكلات الجنسية التي ترهق الأسرة مثل: الاستمناء، التحرش، والدورة الشهرية، وحقوق الأطفال والشباب والفتيات ذوي الإعاقة في إحترام أجسادهم وخصوصيتهم، وكيف يتصرف الأهل ومقدمو الرعاية بما يضمن كرامة الأبناء وتخفيض القلق لدى الآباء.  

 

 

وركزت فرغلي أيضا على رد فعل الأهل التالي للصدمة، والعوامل التي تشكل ضغوطا عليهم وتحديدا الأم مثل: المعاناة النفسية والجسمانية، والشعور بالوصمة، موقف الأخوة، العلاقة الزوجية، تخلي الأب عن المسئولية، قصور السياسات والدعم المجتمعي، والضغوط المالية، وغيرها من الضغوط نتيجة مراعتها لطفل ذوي إحتياجات خاصة لفترة طويلة أو مدى الحياة، وبوصفها الوجة الآخر لواجبات الأسر تجاه أولادها. الوجه الذي نغفل عنه أحيانا وكأن الأمهات والآباء آلات وليسوا “آدميين” من لحم ودم لديهم طاقة تحمل من الممكن أن تضعف إذا لم يجدوا مساندة قوية تشجعهم على الاستمرار في دورهم الصعب. أيضا أضيف فيه جدولا من الدليل التشخيصي الخامس (DSM-5) لوصف كل مستوى من مستويات الإعاقة الفكرية وما يقابلها من مهارات للطفل، ما يساعد الأسرة في التعرف على مراحل نمو الطفل ومدى تأخرها. وأخيرا بعض المقترحات والإرشادات التي من الممكن أن تفتح نوافذ متنوعة للأسرة في علاقتها بأبنائها.

 

ورأت فرغلي أن كثيرا ما يكون المتأخرون عقليا ضحايا للتحرش أو الإغتصاب لأنهم يبدون لا حول ولا قوة لهم، وغالبا لا يتم الإبلاغ عن الجريمة وحتى عندما يتم الإبلاغ، لا تحظى هذه الجرائم بمتابعة كبيرة ومستمرة من جانب الشرطة، وغالبا تكون الملاحقة القضائية والإدانات بسيطة والعقوبات مخففة حيث لا دلائل قاطعة. والمؤسف فعلا أن بعض هذه الإساءات يتعرض لها الطفل من قبل أشخاص معروفين له وأحيانا يرتكبها بعض أفراد الأسرة أو غيرهم من القائمين على رعايته وحمايته. ومع ذلك فإن الأدلة التجريبية التي تربط إضطرابات ما بعد الصدمة بالإيذاء الجنسي لدى المصابين بالتأخر العقلي، محدودة جدا ولا نعرف إلا القليل جدا عن عوامل الخطر المحتملة المرتبطة بتعرضهم للإساءة الجنسية وإن كانت تختلف في شدتها عند الأطفال الأصحاء أم لا.

 

وخلصت فرغلي إلى إن وجود طفل متأخر عقليا في الأسرة، لا يعني بالضرورة مصدرا للاحباط والخذلان فقط، وإنما قد يجد فيها بعض أصحاب النفوس الصافية والقلوب الكبيرة تجربة روحية. وقالت: أخبرتني أم لطفلة بمتلازمة “داون” أنها أصبحت أكثر قدرة على تقدير الأشياء الثمينة في الحياة، وأكثر شفافية وعاطفية، وزادت قوتها على التعامل مع تفاصيل الحياة اليومية المزعجة وأكثر صبرا وطمأنينة. الشدائد تفيدنا أحيانا أكثر من النعم وتزيد من عزيمتنا وقدرتنا على التحدي وتعلمنا دروسا عميقة قد لا نتعلمها في الظروف العادية. وهكذا مع مرور الوقت قد يجد الوالدان في أنفسهما نقاط قوة لم يدركاها من قبل، فيتم تحويل الطاقة التي تستهلك في البداية في القلق وعدم اليقين تدريجيا إلى طاقة تمكنهم من مساعدة طفلهم. إنها رحلة توفر إحساسا فريدا بالصفاء والبصيرة. وهذه هدايا لا تقدر بثمن يمنحها الأطفال ذوو الاحتياجات الخاصة إلى آبائهم المستعدين نفسيا لاستقبالها. فكم من هدايا نتلقاها ولا ندرك قيمتها، وكم من نعم بين أيدينا لا نعرف معناها، لأن أعيننا تنظر بعيدا عنها وقلوبنا معلقة بغيرها.

عن أنوار العبدلي