أخبار عاجلة
الرئيسية / آفاق نفسية / قنوات الأطفال.. هل تزيد حالات التوحد وفرص الحركة لدى مشاهديها؟

قنوات الأطفال.. هل تزيد حالات التوحد وفرص الحركة لدى مشاهديها؟

سنابل الأمل / متابعات

تونس ـ «القدس العربي» من روعة قاسم:

تزايدت في السنوات الأخيرة ظاهرة تأخر النطق لدى الأطفال مع ما يصاحبها من عوارض أمراض نفسية وعصبية على غرار التوحد وتشتت الانتباه وفرط الحركة وغيرها. ويفيد المختصون في علم نفس الأطفال ان لتلك الأمراض علاقة وثيقة بتغير نمط الحياة الأسرية مع اضطرار الأم إلى الغياب عن أطفالها خلال ساعات العمل الطويلة وكذا انتشار القنوات التي تقدم نفسها على أنها مختصة بالأطفال مع ما تعرضه من برامج وأناشيد قد لا تكون في غالبها خاضعة لمعايير الصحة النفسية وربما تحمل في طياتها ملامح أمراض نفسية قد تعطل حياة الأطفال والأجيال الجديدة.
ياسين طفل عمره خمس سنوات ويخضع لعلاج تقويم النطق في احدى العيادات المختصة في تونس ..تقول والدته في حديثها لـ «القدس العربي» انها اكتشفت مؤخرا اصابته بما يسمى بالطيف التوحدي، فهو كان يمضي ساعات النهار يتابع احدى قنوات الأطفال. وكانت الأم في البداية تستحسن تعلق طفلها بهذه القنوات التي تنقل له أفكارا بناءة وصورا جميلة على حد قولها لكنها اكتشفت وعند دخوله للروضة في عمر ثلاث سنوات ان ابنها مريض بالتوحد، فهو عدواني لا يحب اللعب مع أقرانه، يتمتم بلغة غير مفهومة هي مزيج من الكلمات التي تعلمها من هذه القنوات، وعندما تناديه لا يستمع إليها ولا يتأثر. بات الطفل في عالم آخر ينسج فيه خيالاته ويرسم صورا ودوائر متشابهة، كان مسجونا وراء تلك الشاشة الرمادية فهي أصبحت عالمه وأسرته وبعيدا عنها تصبح حياته صعبة، وبات الجسر بينه وبين الآخرين يبعد شيئا فشيئا ..لا يحدق في الآخرين ولا تعنيه لغتهم ولا يستمع لأصواتهم ويكاد لا يصغي لدقات قلب من يحبونه.

طفل التلفزيون

الدكتورة ايناس بنمسعود رزاق اخصائية في طب الأطفال والرضع أوضحت في حديثها لـ «القدس العربي» ان هناك ازديادا كبيرا في حالات التوحد وأيضا هناك مرض يسمى «طفل التلفزيون» وهو ليس توحدا لكن أعراضه تشبه كثيرا أعراض مرض التوحد. وتضيف :«هناك أنواع عديدة من التوحد منها ما هو جيني وراثي ومنها ما يأتي وينمو مع التكوين النفسي لدى الطفل». وهنا تلفت اخصائية طب الأطفال إلى ان التكوين النفسي للطفل يتشكل منذ تواجده في رحم الأم باعتباره يشعر بنبض امه ويتفاعل مع حالتها النفسية ويستمر هذا التفاعل بعد الولادة، وتشدد على ضرورة ان يكون هذا التفاعل إيجابيا وليس سلبيا. ومن الخطورة ان يوضع الطفل أمام التلفزيون قبل ان يبلغ عامين من عمره ويترك لوحده يواجه هذا العالم الذي يبدو ظاهريا بالنسبة للكثيرين نافعا وجذابا ولكنه في العمق يقضي شيئا فشيئا على ذهن الطفل. فالتلفزيون يبعد أطفال التوحد عن محيطهم الأسري ويسجنهم داخل تلك الشاشة ويشل طاقات التفكير لديهم. وتؤكد د. رزاق على أهمية التخاطب والتحادث مع الطفل منذ شهوره الأولى وذلك ـ حسب قولها ـ أفضل وأكثر أمنا وفاعلية من وضعه أمام شاشة التلفزيون ليتلقى مشاهد وألوانا عديدة تجعله متشنجا، الأمر الذي قد يسبب له فيما بعد مشاكل أخرى في النطق ويجعله عصبيا ومتشنجا ويعاني باستمرار من قلة النوم.

أعراض خطيرة

عن أعراض مرض «طفل التلفزيون» تضيف: «من أخطرها ان لا يتفاعل الطفل مع محيطه فهو له عالم خاص يعيش فيه ولا يتفاعل مع من حوله ولا يسمح لأي فرد من أسرته بالدخول إلى هذا العالم حتى لو كان ذلك عبر اللمس أو التخاطب، إذ سيرفض الطفل عناق أمه أو أحد أفراد محيطه الأسري . كما يركز «طفل التلفزيون» على نوع معين من الطعام ويردد حركة معينة مثل الدوران حول نفسه أو رفرفة اليدين دون أي معنى.. ويصل إلى مرحلة خطيرة فهو لا يتبادل النظرات مع الآخرين ولا الضحكات، ولا يستجيب عندما ينادى باسمه، وقد يصل الطفل إلى حالة الإنزواء وهي أكثر حالات هذا المرض خطورة. فالإنزواء يجعله غير قادر على الانسجام مع محيطه الأسري أو لاحقا في الروضة ومع باقي الأطفال ..فيرفض التواصل مع أقرانه واللعب معهم، وقد يصل إلى عمر العامين دون ان يتمكن من الإمساك بالقلم والرسم. وهي تشير إلى ان الطفل يصبح في مرحلة ما غير قادر على التفكير أو التركيز ويصنع لنفسه عادات معينة يتمسك بها ولا يتركها أو يغيرها.
وهنا تؤكد ان كل قنوات الأطفال خطرة عليهم فهي تجعل الطفل غير قادر على البحث بنفسه عن المعلومة وغير فعال. واستثنت محدثتنا بعض الحصص التفاعلية القائمة على الألعاب الذهنية بشكل سؤال وجواب، فتلك قد تكون مفيدة في بعض الأحيان وأقل خطرا من البرامج التي تعتمد على تكرار الأناشيد والأغاني. وتحذر محدثتنا من خطورة تعرض الطفل إلى التلفزيون قبل عمر العامين ..وقبل ثلاث سنوات لا يجب ان يتجاوز الوقت الذي يقضيه في مشاهدة قنوات الأطفال أكثر من 20 دقيقة في اليوم.

أي حلول؟

عن الحلول الممكنة لعلاج مرض التوحد تجيب الدكتورة رزاق ان من الأفضل البدء بالوقاية قبل العلاج لكي نتفادى وصول الطفل إلى مرحلة التوحد.. فالرضيع يكتسب مهاراته وتتشكل شخصيته من خلال تأثره بمن حوله وخاصة بلمسات امه وحنانها، ويجب ان تقدم له العائلة ألعابا حسية تعتمد على اللمس لكي يفرق بين الأشكال الصغيرة والكبيرة ويتعلم أيضا ان يشعر بكل ما حوله من خلال استخدام حواسه. كما تؤكد على ضرورة ابتعاد الطفل عن الألعاب الالكترونية والهواتف المحمولة لأنها كلها تساهم في تشكل عالم خيالي وليس حقيقيا للطفل.
وتتابع:» إذا وصل الطفل إلى مرحلة التوحد أو ما يسمى بـ «طفل التلفزيون» حينها تكون أول خطوة يجب اتخاذها هي منعه من مشاهدة التلفزيون كليا ومنع استخدام الهاتف وأي وسيلة الكترونية كانت.. وهنا يحتاج الطفل إلى رعاية خاصة وعلاج سلوكي يبدأ مع الأسرة في المنزل من خلال ان توكل له بعض المهام فيتم إشراكه في الأعمال الخفيفة مثل جمع الصحون مع الأم بعد الانتهاء من الطعام، والطلب منه ان يجلب بعض الأشياء مع تسميتها لها لكي يتعلم النطق. وتضيف أن العلاج أيضا يختلف حسب حالة الطفل ومدى خطورتها. فإذا وصل إلى مستوى متطور من التوحد حينها يمكن ان يعطى له علاجا دوائيا وفي مرحلة أخرى تجرى له عملية تقويم النطق. كما يخصص للطفل علاج يتمثل في أطعمة تحتوي على مادة الاوميغا 3 مثل السمك الازرق والمكسرات وخاصة الجوز، وهناك بعض أنواع العلاج الدوائي المتكونة في الأساس من مادة الـ «اوميغا 3» كما يطلب منه رسم أشكال معينة تجعله أكثر اإبداعا وتنمي له خياله.

التوحد الجيني

يختلف «طفل التلفزيون» عن المتوحد جينيا. وفي هذا السياق يؤكد د. عمار الرقيق أخصائي علم النفس ان هناك أسبابا جينية وبيولوجية للتوحد، كما ان هناك أسبابا نفسية تتعلق بالأم وعما إذا مرت خلال الحمل بفترات ضغط عصبية ومشاكل أثرت على النمو النفسي للجنين .وقال ان الأبحاث العلمية والطبية لم تصل إلى حد الآن للأسباب الأساسية لهذا المرض لكن يبقى الجزء الجيني مهما جدا.
وقال ان هناك محاولات للعلاج السلوكي من خلال رياض الأطفال وأيضا علاجات دوائية ولا يزال البحث قائما لإيجاد علاج نافع وفعال يعالج الاضطرابات السلوكية عند طفل التوحد ويقوي التركيز ويحسن الطاقات الذهنية. ويشدد محدثنا على أهمية عدم تعرض الطفل إلى القنوات التلفزيونية لما تحمله من أضرار كبيرة على الصحة النفسية والعقلية للأطفال والأجيال الجديدة.

عن أنوار العبدلي