لعبة اللوم الداخلي ..عندما تحارب نفسك

 

هل عبارة “أنت أسوأ عدو لنفسك” عبارة صحيحة.. هل بالفعل يمكننا أن نكون نحن أعداء لأنفسنا.. وإذا كانت عبارة صحيحة فكيف نعادي أنفسنا؟ وما هي أسلحتنا في هذه المعركة؟ تعال ندخل سويا ساحة الحرب التي تكون أنت فيها القاتل والمقتول.
* مشاعر ومعتقدات خلف سلوكيات التخريب الذاتي
يمارس البعض سلوكيات إيذاء النفس بأشكال مختلفة – منها القطع على سبيل المثال – للتخفيف من حدة الألم النفسي، وفي هذه الحالات يكون الإيذاء للجسد، ولكن ما سنتحدث عنه اليوم هو طريقة مختلفة من التخريب الذاتي، ولسوء الحظ فإن الكثيرين منا عرضة لهذه الطريقة، فنحن في محاولتنا للشعور بأننا أفضل (أو على الأقل لسنا أسوأ)، وفي محاولتنا المستميتة للهروب من مشاعر الخزي والعار، وهي المشاعر المرتبطة بإيماننا الأساسي بأننا لسنا جيدين بما فيه الكفاية، وأننا ناقصون، وغير أكفياء، ولا قيمة لنا، وميؤوس منا، وغير مرغوب فينا.

* دفاعات نفسية للتعامل مع مشاعر الخزي والعار

الحياة مع مشاعر الخزي والعار، وما وراءها من معتقدات راسخة وشكوك ذاتية تعتبر أمرا لا يطاق؛ لذا فإننا نمارس دفاعات داخلية قوية للحفاظ على هذه المشاعر والمعتقدات في الخفاء، والحقيقة أننا نمارس هذه الدفاعات سواء كنا نحمل القليل من الشعور بالخزي والعار، أو كان هذا الشعور مهيمناً لدرجة أنه ينطبق علينا وصف “الهوية القائمة على الخزي والعار” (كما سماه جون برادشو، وربطه بإساءة في وقت الطفولة).

بالنسبة لفرويد، فإن جميع الدفاعات البشرية تقريبًا مصممة لإخفاء الشعور الذاتي المشوه سلبيًا، سواء من أنفسنا أو من الآخرين، وهو ما يشوه سلبيا شعورنا بذواتنا.

* آليات الحماية الذاتية.. سلاحك لتدمير نفسك
سنتحدث هنا عن نوعين من الدفاعات التي نقوم بتطويرها للتعامل مع شعورنا الدفين بالخزي والعار، ومن اللافت للنظر أنه رغم أن آليتي الحماية الذاتية اللتين سنركز عليهما هنا متعارضتان تمامًا، لكن المفارقة أنه يمكن اعتبارهما مكملتين لبعضهما البعض.

في هذه اللعبة سنجد “الناقد الداخلي”، وهو الصوت المهين الذي بداخلك، والذي يلومك على أوجه القصور لديك، سواء أكانت حقيقية أم متخيلة، وفي المقابل هناك “الناقد الخارجي”، وهو الذي يثير انتقاداتك – أو غضبك – تجاه الآخرين، وبحيث تتصور أو تتوهم (رغم خداع هذا الوهم) أن لومك يتوجه إلى المسؤولين عن معاناتك العاطفية في الصغر.

وعلى الرغم من أن ذلك يتم بشكل غير واعٍ، فإنك في هذا السيناريو تكون مشغولا بالبحث بشكل حذر عن طرق للعثور على خطأ عندهم، تماما كما فعل معك مقدمو الرعاية الأصليون، وإضافة إلى ذلك، فأنت تشوه الآخرين في مسعى مستمر لبناء نفسك؛ لأنك إن لم تفعل ذلك فسوف تبتلعك تلك الحفرة المظلمة القاتمة من الرفض الذاتي، والتي تسبب نقدك الداخلي لذاتك في جعلها حفرة عميقة، والآن أدعوك للاقتراب من أرض المعركة لمشاهدة رحى الحرب وهو تدور بين “الناقد الداخلي” و”الناقد الخارجي”.
1. حمايتك من الآخرين من خلال مهاجمتك لنفسك
دعنا نركز في البداية على “ناقدك الداخلي”، الجزء الذي لا يلين في أحكامه القاسية عنك، والذي تعزز تقييماته السلبية الرسائل التي تلقيتها (أو التي ظننت أنك تلقيتها) من والديك شديدي النقد، وعلى الرغم من أنه من الممكن أن تكون البيئة العامة المحيطة بك في سنوات عمرك الأولى – بما في ذلك عائلتك الممتدة أو جيرانك أو نظراؤك أو مدرسك أو مرشدك الديني – هي التي ساهمت في تشكيكك في قيمتك الأساسية، لكن على الأرجح فإن عجز صورتك الذاتية مستمد بشكل أساسي من والديك، حيث كانت التوقعات والمعايير إما غير واقعية للغاية أو غير عادلة بشكل صارخ.

للأسف، فقد افتقر أبواك ببساطة إلى القدرة على إدراك أنك في طفولتك
(1) تمتلك قدرة محدودة على التحكم في اندفاعاتك.
(2) لم تكن قادرا على فهم قواعد العائلة بشكل كامل، والتي ربما لم تكن متسقة أو مفسرة بشكل كافٍ.
(3) أنك كنت تحاول تأكيد حاجاتك واحتياجاتك، والتي (في براءة طفولتك) لم يكن في إمكانك أن تدرك أنها مهددة ومضادة لوالديك.

نتيجة لكل سوء التفاهم هذا، فقد قام مقدمو الرعاية اللوامون – بغض النظر عما إذا كانوا متعمدين أم لا – بنقل الرسالة إليك أنه يجب عليك أن تخجل من نفسك، (وفي الواقع، يقوم الآباء في كثير من الأحيان بتوظيف هذه العبارة المزعجة للغاية عندما يشعرون بالإحباط من أطفالهم).

ونتيجة لذلك، وباعتبارك طفلًا لا حول له ولا قوة، تحاول قدر استطاعتك أن تتلاءم مع عائلتك وأن تكون مقبولا منهم، اتخذت مثل هذا التوجه المهين دون وعي، مما جعله جزءا لا يتجزأ من هويتك.

وبتبنيك الإجباري لشعور الناقد الداخلي فإنك تصبح في أمان وتصبح متماشياً مع النقاد الخارجيين، ومن ثم تعتبر والديك في صفك، وتتبنى نصًا للحياة تنكر فيه ذاتك، وتخفي نفسك كطفل متخوف قلق.

لقد كنت في وضع لا يسمح لك باستثناء حكمهما السلبي (المفترض)، ولم يكن أمامك إلا أن تفعل ما بوسعك لتقوية علاقاتك غير المؤكدة معهما، ومن ثم فقد كنت مضطراً للانضمام إليهما في تقييمهما السلبي لك، لتختم بنفسك أنك لم تكن جيدًا بما يكفي. ولكن في نفس الوقت مع هذا التقييم الذاتي القاتم (الذي يمكن أن يطلق عليه المحللون النفسيون الأنا الأعلى الاستبدادي)، كان عليك أيضًا البحث عن طرق لمواجهة هذا التقييم غير الممتع، أو على الأقل بطريقة ما يمكن تحسينه بحيث لا يتركك في يأس دائم.

قام جاي إيرلي Jay Earley، وهو معالج بارز في أنظمة الأسرة الداخلية (IFS)، بنشر كتاب حول هذا الموضوع بعنوان “التحرر من الناقد الداخلي الذاتي – منهج علاج” Freedom From Your Inner Critic Self- A Therapy Approach عام 2013، ومع إدراكه للتوجه المتناقض بشكل أساسي الذي يتخذه نظام IFS تجاه السلوكيات المهزومة بشكل عام، فهو يصف الناقد الداخلي بأنه “يهاجمك لحمايتك”.

ولكن كيف ينجز الحامي هذا الهدف المنحرف؟
ببساطة عن طريق تحذيرك (في بعض الأحيان بشدة) أنك سوف تفشل إلا إذا استعنت بجزء آخر قريب جدا منه هو مراقب الأعمال الداخلي (Inner taskmaster)، والذي يجعلك تعمل بجد حتى تتمكن من النجاح، لتتجنب الشعور بالانتقاد من قبل والديك، فهذا الرقيب يمثل عقل وصوت والديك الذي تم إدخاله بقوة، والآن هو يهز جمجمتك بقوة وباستمرار.

وما هو أسوأ، فإن هذا الجزء المستعبد منك – يمكن أن يسخر منك على أنك غير كفؤ، غبي أو لا يزال يهدف إلى تحفيزك على تقديم أفضل ما لديك من جهد، لتتمتع بالانتماء والموافقة على نحو أفضل، وبالتالي تجنب الوقوع في إعادة تجربة الألم النفسي للشعور بالنقص الذي أنقض ظهرك كطفل.

إضافة إلى ذلك، وتماشيا مع نموذج IFS، فإن لديك أيضا “المقوض الداخلي inner underminer”، وهذا هو الجزء الوقائي الذي يتعارض بشكل حاد مع مراقب الأعمال الخاص بك، والذي يحثك على عدم محاولة أي شيء قد يتحداك لأن هذا هو الأسلم لك لتتجنب نقد الآخرين ونقدك الذاتي.

ومن خلال التفاعل بين هذه الأجزاء الثلاثة (الناقد الداخلي – المراقب الداخلي للأعمال – المقوض الداخلي) فإنه تصلك رسالة محبطة للغاية؛ تؤدي لتآكل ثقتك بنفسك، وهذه الرسالة هي أنك ستفشل بالتأكيد إذا جرّبت شيئًا جديدًا أو صعبًا، فمن الأسلم الخروج من الملعب بالكامل.

وبالطبع، فإن المصادرة السابقة لأوانها هذه لا تضمن إلا “الفشل الملموس” بعدم منحك الفرصة لتجاوز حدودك الحالية، ولكن بما أن جميع الأجزاء الوقائية تقريباً، أو الشخصيات الفرعية في “نظام أسرتك الداخلي” هم من اليافعين (حيث أنهم عادة ما يكونون قد نشأوا عندما كنت طفلاً)، فإن تلك النتيجة المناوئة لك ليست أي شيء سوى سجنك الداخلي.

وقد يبدو الأمر مجنونا، ولكن قد يسعى المقوض الداخلي لديك أيضا إلى حمايتك من النجاح إذا كانت تلك النتيجة قد تغضب أحد الوالدين المقيمين داخل رأسك، لأنهما ربما قد تنافسا معك في الواقع عندما كنت صغيراً مما جعلك تشعر بالذنب إذا هزمتهما – على سبيل المثال، في لعبة مثل الشطرنج أو التنس.. إذا كان انتصارك قد هدد رباطك غير المستقر معهما (لأنهما في الواقع بدا أنهما مستاءان من ذلك)، فإن انتصارك سوف يكون قصير الأمد وتشعر كأنه فشل آخر (وهو أمر حاسم للغاية لتجنبه في المستقبل).

على غرار الناقد الداخلي الخاص بك، فإن كلا من رقيب الأعمال الداخلي والمقوض الداخلي الخاصين بك يعملان على تخفيف الألم الذي مورس معك أساسا بسبب الوالدية غير الحساسة أو المسيئة، ولكن نظرًا لأنهما متشددان للغاية في جعلك تشعر بعدم الكفاية، فلا يمكنهما إلا تخريب مُثُلك الأكثر أصالة وأهدافك طويلة الأجل.

المصدر موقع / صحتك

عن أنوار العبدلي