أخبار عاجلة
الرئيسية / الميدان التربوي / صعوبات التعلم .. مفهومها العلمي وَ محكات الحكم لوجودها عند الأطفال

صعوبات التعلم .. مفهومها العلمي وَ محكات الحكم لوجودها عند الأطفال

بقلم / الأستاذ حسن بن علي العيسى

صعوبات تعلم ـ جامعة الملك فيصل

صعوبات التعلم كمفهوم يعتبر مصطلحاً جديداً وإن كان الميدان بذاته ليس جديداً، وإنما تم العمل بخدمة الأطفال ممن أصبحوا يعرفون بذوي صعوبات التعلم منذ فترة طويلة، ويمكن تحديد ذلك تقريباً في بداية القرن التاسع عشر ، وكانت الاهتمامات في هذا المجال بدايات طبية من خلال الاهتمام بالأطفال الذين كانت لديهم مشكلات في الجانب اللغوي في الكلام أو في القراءة، وأصبح هذا الميدان يعرف من خلال المتخصصين في هذا المجال بـ(دسليكسيا) أو مشكلات صعوبات القراءة أو خلل في الإدراك أو خلل في المخ الوظيفي البسيط، تسميات كثيرة  البعض أوصلها إلى أكثر من  (40) مصطلحاً استخدمت وشاعت بين المهتمين بميدان ما أصبح يعرف الآن بصعوبات التعلم.

وبعد أن أخذ البعد الطبي دوره في القرن التاسع عشر بدأ توجه آخر وهو توجه التربويين في محاولة وضع البرامج المساعدة لهؤلاء الذين يعانون من مثل هذه الصعوبات. ظهر التوجه الحديث وجاء المصطلح الذي استخدم في بداية الستينات 1963م )) واستخدم هذا المصطلح من قبل) كير وهو أحد التربويين البارزين في مجال التربية الخاصة بشكل عام وفي مجال صعوبات التعلم بشكل خاص، حيث أصبح مصطلح (صعوبات التعلم) يستخدم كبديل لكل المصطلحات الشائعة التي كانت تستخدم من قبل المتخصصين، وتم الاتفاق أن يكون هذا المصطلح الجديد مصطلحاً أشبه ما يكون بالمظلة التي ينضوي تحتها مختلف التسميات الشائعة التي كانت تستخدم في الدراسات أو من قبل المتخصصين.

ومن هنا جاء التداخل بين مصطلح صعوبات التعلم وبين مفاهيم أخرى مثل التخلف العقلي أو التأخر الدراسي أو بطئ التعلم أو انخفاض التحصيل، وبالتالي جاء تداخل مفهوم مصطلحات (صعوبات التعلم) و(التخلف العقلي) أو (التأخر الدراسي)  أو (بطئ التعلم) أو (انخفاض التحصيل)، وجاء هذا التداخل نتيجة أن الأطفال يعانون من صعوبة واضحة في المجال الأكاديمي وكذلك الحال في مجال التخلف العقلي.

غير أن الفيصل الذي يمكن أن نفرق به بين هذه المصطلحات الثلاثة يعتمد بشكل أساسي على القدرة العقلية حيث أن الأطفال الذين نطلق عليهم أنهم ذوي صعوبات تعلم نعني بهم أولئك الأطفال الذي يتمتعون بقدرات عقلية عادية، وبالتالي ليس لديهم مشكلة في الجانب العقلي وليس لديهم أي حالة عوق أو أي حرمان سواء بيئي أو ثقافي أو اقتصادي يكون سبباً في صعوبة التعلم التي يعانون منها، ومع ذلك بالرغم مما يتمتعون به من قدرات عقلية إلا أنهم يعانون من صعوبة في مجال أو أكثر في حين أن بقية المجالات الأخرى تنمو بشكل متسق وعادي كما هو الحال مع الأطفال العاديين.

المشكلة إذاً لدى الأطفال ذوي صعوبات التعلم أن لديهم صعوبة واضحة في جانب من الجوانب في حين أن بقية الجوانب تسير بشكل منتظم، وهذه الصعوبة ليست ناتجة عن مشكلة في القدرة العقلية أو أي حالة من حالات التعويق في حين أن التأخر الدراسي هو انخفاض في القدرة العقلية دون المتوسط، بحيث يظهر هذا الانخفاض في الأداء بشكل عام، فالأطفال المتأخرون دراسياً هم أطفال لديهم قدرة عقلية ولكنها تنخفض عن المتوسط للأداء العام الذين نسميهم ( الفئة الحدية )، وهي الفئة التي تقع بين الأطفال العاديين والأطفال المتخلفين عقلياً، فنجد الانخفاض في القدرة العامة نجد أن هذا الانخفاض يؤثر سلباً على الأداء بشكل عام، ولكنه لا يصل إلى درجة الانخفاض في حالة التخلف العقلي حيث أن هؤلاء الأطفال يستمرون ويتواجدون مع الأطفال العاديين ضمن الصفوف العادية مع أنهم يحتاجون إلى رعاية وخدمة، ويمكن أن تظهر مشكلاتهم بأن يرسب بعضهم سنة أو سنتين أو ثلاث في محاولة لتعويض القصور في القدرة العقلية والتغلب على ذلك من خلال العمر الزمني، نجدهم في الفصل مميزين من حيث طولهم وأعمارهم خلال الرسوب المتكرر لديهم، وهذه المجموعة لا تصنف ضمن صعوبات التعلم على اعتبار أن المشكلة لديهم مشكلة عامة موجودة عندهم نتيجة الانخفاض في القدرة العقلية الذي يصل إلى مستوى حالة التخلف العقلي.

أما المجموعة الثالثة أو المصطلح الثالث وهو حالة التخلف العقلي الذي يشترك أيضاً مع المجموعتين السابقتين بانخفاض التحصيل العام، ولكن هنا الانخفاض كبير وملحوظ بسبب الانخفاض في القدرة العقلية الموجودة لديهم، بحيث تظهر مشكلاتهم في الجانب الأكاديمي وأيضاً في الجانبين الانفعالي والاجتماعي، وقد نجد لديهم أيضاً مشكلات في الجانب الجسمي، وهذه الفئة تختلف عن فئة صعوبات التعلم وفئة بطيئي التعلم.

نحن عندما نتحدث عن صعوبة التعلم نقصد الفئة الأولى ممن يتواجدون ضمن الصفوف العادية، ويكون أدائهم في بعض الأحيان ليس عادياً ومتميزاً مقارنة بالأطفال العاديين، فليست لديهم مشكلة إلا في جانب محدود أو أكثر، مما يستدعي تدخلاً لمساعدتهم في التغلب على الصعوبة التي يعانون منها.

وفي ظل هذا التوضيح لصعوبات التعلم أؤكد على قضية أساسية هي أن هناك اتفاقاً عاماً بين كثير من الباحثين على مجموعة من المحكات التي لا بد أن تعتمد في الحكم على وجود صعوبة التعلم عند الأطفال وهي:

1)     التباعد : ويعني أن هناك فرقاً واضحاً أو كبيراً بين مستوى أداء الطفل الحالي وبين مستوى ما هو متوقع منه بناء على القدرات الكامنة لديه، أي يتوقع أن يقرأ الطفل في المستوى الخامس ولكنه فعلياً يقرأ في المستوى الثاني مثلاً .

2)     الإستبعاد : وهو أن هذا التباعد يجب ألا يكون ناتجاً عن حالة من حالات الإعاقة ، أي استبعاد أن تكون الإعاقة سبباً في الصعوبة، سواء كان العوق تخلفاً عقلياً أو عوقاً في السمع أو البصر أو حالة اضطراب انفعالي أو حرمان بيئي أو ثقافي أو اقتصادي أو اجتماعي.

3)     التربية الخاصة : وهو شرط ليس في حالة صعوبة التعلم فقط وإنما هو شرط في كل أحوال الأطفال غير العاديين وهو الحاجة إلى خدمة التربية الخاصة، بمعنى أن الطفل يكون لديه انخفاض في التحصيل يستدعي تدخلاً من قبل المتخصصين لتقديم خدمات علاجية متخصصة، بحيث أن ما يقدم من خلال الصف العادي من منهج ومهارات تعليمية وطريقة تدريس لا يتناسب مع الأطفال ذوي صعوبات التعلم الأمر الذي يستدعي تدخلاً من قبل المتخصصين في مجال التربية الخاصة.

هناك اتفاق كبير في قضية درجة ارتباط صعوبات التعلم بالمشكلة أو بالخلل في الجهاز العصبي المركزي، وهذه قضية تم الاتفاق عليها في معظم التعريفات، وهناك توجه يربط ما بين صعوبات التعلم ووجود خلل في الجهاز العصبي المركزي، ودرجة الارتباط بين هذين المتغيرين عالية جداً، ولكن لا نعني بذلك أن العلاقة هنا علاقة تامة، بمعنى أنه ليس بالضرورة أن كل من لديه صعوبة في التعلم يجب أن يكون لديه خلل أو تلف في الدماغ، وليس كل من لديه تلف أو خلل في الجهاز العصبي يجب أن تكون لديه صعوبة في التعلم، لكن درجة الارتباط بين المتغيرين عالية جداً، ولكن إلى أي مدى يجب التحقق من وجود هذا التلف كشرط لخدمة هؤلاء الأطفال؟ هذا لا يفترض أن يكون سبباً أو شرطاً من الشروط التي توضع لخدمة هؤلاء الأطفال، بمعنى أننا يجب ألا نفترض أو نشترط الخدمة المقدمة لهؤلاء الأطفال بالتحقق من وجود مثل هذه المشكلة لديهم، المهم أن هؤلاء الأطفال بحاجة إلى خدمة، وواقع حالهم يقول إنهم بحاجة إلى خدمة، وبالتالي يجب أن تقدم لهم هذه الخدمة دون أن نبحث في قضية التحقق من مدى وجود مثل هذا الخلل لديهم أم لا؟

عن التحرير

إدارة التحرير : ايميل asdmag.m@gmail.com واتساب: 00966568325825