أخبار عاجلة
الرئيسية / الميدان التربوي / مشاكل التشخيص وَ الخدمات المقدمة للأطفال ذوي اضطراب التوحد

مشاكل التشخيص وَ الخدمات المقدمة للأطفال ذوي اضطراب التوحد

 

اضطراب التوحد هو مشكلة نمائية بالدرجة الأولى التي تؤثر على ثلاث مهارات أساسية هي : مهارات التواصل ، المهارات الاجتماعية ، والمهارات السلوكية ، وتختلف هذه المهارات في مضمونها من فرد مصاب بالتوحد لآخر باختلاف درجة الاضطراب والعمر والمهارات المكتسبة.

سوف أركز في هذه المقالة على مشاكل التشخيص المختلفة للتوحد ، ولعل من الجيد حصر هذه المشاكل في نوعين ليسهل توضيحها : وهي مشاكل ما قبل الخدمة ومشاكل ما بعد الخدمة.

أولاً مشاكل ما قبل الخدمة : ونعني به التشخيص الذي يتلقاه الطفل في بداية معرفة الأسرة بوجود مشكلة نمائية . في هذا المرحلة تكون الأسرة في تشتت كبير بين التصديق بوجود مشكلة عند الابن من عدمها ، وكثير من الأهالي لا يرغب في تقبل ذلك ؛ فيحاول تناسي المشكلة أو عدم الاكتراث بها ، وعلى سبيل المثال لا الحصر، إذا اكتشفت الأسرة تأخر عند طفلها في المهارات اللغوية أو التواصلية فإنها في البداية سوف تعزي هذا التأخر إلى أسباب طبيعية ؛ فمثلاً يُقال : إن ابن العم أو ابن الجارة تأخر في الكلام إلى سن الرابعة وهو أمر طبيعي ، ولكن من الأجدر بالأهل زيارة طبيب الأطفال أو مختص للتأكد من عدم وجود مشكلة عند الطفل (عادةً طبيب الأطفال يعرض تقييم كاستبانة للأسرة تسمى الاستبانة النمائية للطفل) .

في كل زيارة دورية ينبغي التأكد من عدم وجود مشاكل نمائية لا تتوافق مع عمر الطفل ، فمثلاً في الزيارة لعمر سنة واحدة يكون هناك أسئلة عن التطور اللغوي وهل بدأ الطفل في إصدار الأصوات ؟ أو هل يتواصل اجتماعيًا مع الأسرة كإظهار الفرح والسرور ومتابعة الأشياء من حوله باستخدام العين ؟

وهنا نلفت الانتباه لمشكلة أخرى للتشخيص في هذه المرحلة ، وهي أن الأسرة ترغب بالدرجة الأولى في معرفة مشكلة طفلها : هل هي توحد أم غير ذلك من المشاكل الأخرى كالإعاقة العقلية ؟ وهنا تسمع العجب ؛ فمنهم يخبرك أن الابن غير مصاب بأية مشكلة ، ومنهم من يشخص أن الابن مصاب بالتوحد ، في حين قد يشخص الأخصائي النفسي أن الطفل لديه إعاقة عقلية بسيطة ، وهذا ما يزيد من التشتت عند الأسر.

 ما ينبغي أن يُقال في هذا الجانب : إن تشخيص الطفل ذوي اضطراب التوحد ليس سهلاً ، ولا يمكن الحكم عليه من لقاء واحد أو جلسة واحدة ، بل يحتاج إلى معرفة تامة بالطفل ومهاراته المختلفة ، وهذا يحتاج إلى فترة من الزمن ، مع وجود طبيب متخصص ومحترف في هذا الجانب. إن اطلاق التشخيص بدون تقدير كافٍ يعتبر جريمة في حق الأسرة والطفل ؛ لما يسببه من ترتيبات مستقبلة تقوم بها الأسرة ، ومشاكل نفسية واجتماعية أخرى ، من قبيل نظرة المجتمع السلبية تجاه الأسرة وطفلها التوحدي .

ثانياً : مشاكل ما بعد الخدمة ، وهذا النوع من المشاكل هو نتيجة للمشاكل في المرحلة السابقة ؛ فالتشخيص الخاطئ للحالة سوف يسبب في وضع الطفل في المكان الخاطئ للتعلم والتطوير وتلقي الخدمات المناسبة ، وهو ما يسمى بالبديل التربوي المناسب ، وهذا أيضًا يسبب هدر الوقت والجهد المهم لتطوير الأطفال وخاصة في المرحلة المبكرة من حياتهم.

في لقاء مع مديرة أحد مراكز التوحد لفتت الانتباه إلى وجود حالات بالمركز يصعب عليهم التعامل معها ؛ فهي لا تستجيب إلى التعليم والتدريب الذي يستجيب إليه أطفال التوحد ، وعزت السبب في ذلك إلى عملية التشخيص ، فبعض الأطفال ربما لا يكونون من هذه الفئة ، ومحلهم مكان آخر يمكنهم الاستفادة منه ، ولكن بسبب سوء عملية التشخيص تم تحويلهم لمراكز التوحد.

هناك فلسفتان علميتان للتشخيص :

الفلسفة الأولى تعتمد على أسلوب التصنيف، وهذا يعني أننا لكي نقدم الخدمة يجب أن نتعرف على مشكلة الأطفال وتسميتها كتوحد أو إعاقة عقلية أو التشتت الزائد أو غيرها. لا شك إن لهذه الفلسفة بعض الإيجابيات مثل التعرف على الحالة والمساعدة في ايجاد البديل التربوي المناسب ، ولكن هناك أيضًا بعض السلبيات ، مثل صعوبة التشخيص مع وجود التشابه الكبير للعديد من الاضطرابات من قبيل اضطراب التوحد واضطراب التواصل و اضطراب تشتت الانتباه والإعاقة العقلية البسيطة وخاصة في السنوات المبكرة من الحالة.

الفلسفة الثانية للتشخيص – التي أميل إليها خاصة في السنوات الأولى من المراحل العمرية للأطفال – هي فلسفة عدم التصنيف ، وكبديل لذلك يكون هناك تقييم للمهارات المختلفة ، والعمل على إيجاد البديل التربوي المناسب لتطوير الحالة بدون التطرق إلى نوع الحالة ، ويعزو مؤيدو هذه الفلسفة أنه من غير المفيد بأي حال من الأحوال معرفة نوع الحالة لتقديم الخدمة ، وذلك لأننا في مجال التربية الخاصة بما فيها التوحد نتحدث عن حالات مختلفة لا تتشابه أي منها مع الآخر. فمعرفة أن الطفل مصاب بتوحد أو أي اضطراب آخر لن يساعد في بناء خطة تربوية للطفل . المهم هو الوقوف على المهارات الحالية المختلفة والمساعدة في تطويرها ؛ ولهذا نجد أن هناك تصنيفًا حديثًا من تصنيفات الإعاقة هو (الاضطراب النمائي) بدون التطرق إلى نوع هذا الاضطراب ، كما تساعد هذه الفلسفة في التشخيص على التخلص من بعض الضغوطات النفسية والاجتماعية المختلفة ؛ لأن الطفل لن يوصم بالتوحد أو غيره الذي يصاحبه بعض المشاكل النفسية والاجتماعية للأسرة و للطفل.

الجدير بالذكر أن الشخص المناسب لتشخيص التوحد هو الطبيب المختص الذي يعتمد على الدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات النفسية بطبعته الخامسة ، ويكون دور الأخصائي النفسي هو تقييم المهارات الحالية والمكتسبة والمساهمة في إعداد الخطة التربوية الفردية التي يساهم في إعدادها الأسرة ومعلم أو مدرب التربية الخاصة وأخصائيو الخدمات الأخرى كالعلاج الطبيعي والوظيفي وأخصائي النطق والتواصل.

 

 

 

د.محمّد بن منصُور الزايـر
دكتوراه في التربية الخاصة ( التوحّد )
متخرّج من / جامعة شمال ايوا الامريكية، 2014م
.

عن التحرير

إدارة التحرير : ايميل asdmag.m@gmail.com واتساب: 00966568325825