أخبار عاجلة
الرئيسية / الأخبار / المكفوفون يعيشون وضعيات اجتماعية مزرية في المغرب

المكفوفون يعيشون وضعيات اجتماعية مزرية في المغرب

مازالت شريحة المكفوفين في المغرب، تناضل بكل ما أتيت من قوة، ويعيشون وضعيات اجتماعية مزرية في المغرب، ولا يستفيدون من البرامج الحكومية، هدفهم الوحيد هو العيش الكريم والمساواة مع باقي المواطنين على جميع المستويات.

ويؤتت فضاء درب عمر مجموعة من الآليات والشاحنات الضخمة والمحلات التجارية التي تجعل منه القلب النابض للتجارة البيضاوية خاصة والمغربية عموما، بين دهاليز هذه المحلات التجارية وعلى إيقاعات أصوات الباعة والحمالة، وسط ضجيج لا ينقطع صباح مساء تقع المنظمة العلوية لرعاية المكفوفين لجهة الدار البيضاء سطات، تغطي كل المدن المجاورة كالجديدة وبن سليمان وبرشيد المحمدية وسطات وغيرها من الضواحي، مؤسسة من بين 13 مؤسسة تحوي شريحة من المجتمع، جمعتهم الظروف بين جدران هذه المؤسسة، هدفهم التعليم والتعلم، التكوين والتأهيل، وهو الغرض الذي أنشئت من أجله المنظمة منذ سنة 1967، لإدماج الكفيف وضعيف البصر تحت رئاسة الأميرة لالة لمياء. وحسب ساكنة الحي كانت هذه المؤسسة تتسع لاستقطاب المكفوفين في الدار البيضاء، وكانت كل الظروف مواتية وملائمة لتواجدها في منطقة درب عمر، لأن المنطقة لم تكن تعرف هذا الاكتظاظ المفرط، اليوم وفي خضم التوسع العمراني، والنمو الديمغرافي المتسارع أصبحت المؤسسة نقطة هادئة في بحر هائج.

كراج البصرة  

وأنت تحاول المرور لمقر المنظمة تصطدم بالعربات المجرورة، والشاحنات الضخمة المركونة وسط الطريق، والسلع مصطفاة على الرصيف، وجنبات الطريق، وضعية يصعب المرور فيها للوصول إلى باب المؤسسة دون أن تصطدم بعلب السلع بمختلف الأحجام، والسلع المفروشة على الأرض، وضع يصعب فيه المرور على الأصحاء فما بالك بدوي الاحتياجات الخاصة؟!، لتقريب المسافة سألنا أحد الباعة بالمنطقة عن باب المؤسسة ليجيبنا بعبارة “كراج البصرة مازال القدام”، عبارة تحمل في طياتها أكثر من دلالة عن الوضع الذي يعيشه الكفيف بمنطقة مخصصة للتجارة، والبيع والشراء، وأنا أتابع السير كنت أتسأل كيف يسلك هؤلاء الأشخاص لمقر الدراسة؟ وكيف تكون وضعيتهم النفسية عندما يصلون المؤسسة؟ صحيح هم محظوظون لأنهم ولجوا المدرسة حتى يتعلموا في مقابل زملائهم بمناطق أخرى، لم تتح لهم فرصة التعلم، إلا أن الوضع المزري حسب تصريحات اغلبهم في خضم هذه الفوضى التي تحيط بالمؤسسة، يؤكد (ج.ح) أستاذ بالمنظمة العلوية لرعاية المكفوفين، وسط هذه الفوضى، وصوت الباعة ظروف لا تساعد على العمل، خاصة وأن وسيلة التلميذ لتلقي المعرفة هي السمع، أطفال من ذوي الإحساس المرهف، محتاجين للرعاية والتأطير خاصيتان لا يوفرهما بالتأكيد محيط يحكمه منطق التجارة والربح، يضيف (ع.م) تلميذ بالمنظمة منذ 11 سنة يقول “في القسم يضطر الأستاذ في بعض الأحيان إلى توقيف الدرس حتى تهدأ الأجواء بالخارج، ثم يستأنف الدرس بعد ذلك، وفي بعض الأحيان تتقاذف الكلمات النابية لمسمعك رغما عنك، يشير “كلها أجواء لا تساعد على التعلم بالمؤسسة”، فلا صوت يعلو بالشارع المؤدي للمؤسسة غير صوت التجار والمارة وضجيج الشاحنات، في هذه الأجواء المشحونة يخير التلميذ الكفيف بين أن يدرس ويتعلم ويحارب الجهل والأمية، وبين تحدي هذه العقبات والظروف فتزداد طريق المعاناة في غياب هندسة تحترم خصوصية الكفيف بالشوارع، وداخل المؤسسة التعليمية.

 يؤكد التلاميذ أن البنية الهندسية للمؤسسة لا تحترم خصوصية الكفيف، ففي غياب علامات وولوجيات تدل الكفيف على مكان التوجه وتساعده على معرفة طريقه، يحرم هذا الأخير من الحركة، والتنقل بكل حرية ويحرم الطفل الكفيف من السير واللعب والتجوال داخل المؤسسة وخارجها .

معاملة من نوع خاص

وأنت تجلس رفقة هذه الشريحة من المجتمع تسأل كيف يدرسون ويكتبون ويقرؤون؟ أسئلة لم تغادر ذهني منذ أن وطأت قدامي المنظمة، تحتاج وضعية الشخص الكفيف خاصة والمعاق عامة، رعاية أكثر من غيره من الأشخاص الأسوياء، توفر هذه المؤسسة 90 بالمئة مما يحتاجه الكفيف على حد تعبير مدير المنظمة، إذ يدرس بفضائها 160 طالبا موزعين على المسالك الثلاثة ابتدائي، وإعدادي وثانوي، مقسمين بين الذكور والإناث، منهم 50 تلميذا بالقسم الداخلي للمنظمة، أما الباقي فيأتون من المناطق المجاورة للدار البيضاء، إشكالية القسم الداخلي لازالت مطروحة حسب بعض الأطر التربوية لأنهم يستقبلون الذكور دون الإناث، مما يضطر البعض منهم إلى تكبد معاناة السفر اليومية، أو الالتحاق بأحد أقاربهم القاطنين بالدار البيضاء، كحالة سميرة (اسم مستعار) التي كانت ترافق في كل يوم واحدا من أصدقاءها لمنازلهم رفقة عائلاتهم طيلة فترة دراستها وذلك لأنها كانت بعيدة عن المؤسسة الدراسية، ووضعيتها المادية لا تسمح لها بالتنقل اليومي، اختارت أن تتعلم في ظل هذه الوضعية والآن لازالت في عداد المعطلين بعد مشوار طويل من الدراسة والتحصيل.

 يؤكد بلال الحسين مدير المنظمة أن المستوى الحالي لوضعية الكفيف في تحسن بتوفر الكتب، خاصة بتواجد عالم الانترنت الذي سهل على الكفيف عملية التعلم والتعليم والتثقيف، لكن يبقى النقص في بعض الكتب المطبوعة بطريقة “براي” إلا انه تم وضع خزانة بمدينة الرباط تهم الكتب السمعية وذلك لتعويض النقص الحاصل في الكتب الغير موجودة.

المؤسسة لازالت حسب الطلبة والتلاميذ بحاجة لإصلاحات تواكب وضعية الكفيف داخلها، بداء بتوفير مسالك وولوجيات خاصة بالكفيف، واطر تربوية وطبية ورياضية واجتماعية تهتم بحالة الكفيف النفسية والمعنوية والتربوية بطرق خاصة، بالإضافة إلى مرافق دراسية وترفيهية وتثقيفية كقاعات الرياضة، وتوفير فضاءات للدراسة يقل فيها الضجيج… في ظل الحديث عن هذه المطالب وغيابها لازال الطالب الكفيف يعاني إشكالية القراءة والتثقيف الذاتي في غياب كتب مطبوعة  بطريقة “براي” ومحدودية إمكانات الجمعية، المعهد يوفر فرصة الدراسة لهؤلاء الأشخاص.

 فحسب إحصائيات البحث الوطني لسنة 2004، والذي أعلن عن نتائجه سنة 2006  هناك 20 ألف مكفوف في سن التمدرس، يدرس منهم فقط 1000 شخص مكفوف، ليبقى السؤال مطروحا أين هي 19 ألف؟ أشخاص يدرسون بطريقة أو بأخرى، بالمدارس العمومية لا توفر لهم شيئا من المعرفة، يؤكد جلال أستاذ بالمنظمة أن الأستاذ بين خيارين سواء يدرس بطريقته الخاصة، ويعلم التلاميذ ما يجب تعلمه، أو أن يتبع المنهج والجدول الزمني الذي تحدده الوزارة، وهكذا لن يتعلم التلميذ أي شيء، إضافة إلى المقررات التي تخضع لنفس تركيبة مقررات الأشخاص العادين، في حين أن مقرر التلميذ الكفيف يجب أن يخضع لمواصفات خاصة، ومحددة سواء عن طريق التكبير لضعاف البصر، أو بطريقة “براي” أو الصوت واللمس لفاقد البصر.             

الرحلة السيزيفية

بالعاصمة الاقتصادية الناس يكدون ويعملون بحركات متسارعة، ومستمرة لا ينتبهون من خلالها للكفيف الذي يتحرك بخطى محكمة خشية الاصطدام بأعمدة الكهرباء، أو اللوحات الإعلامية، أو السقوط في الحفر نتيجة الأشغال في بعض الأحيان، لأن الكفيف يحتاج لطريق منبسط بعيد عن العقبات، والحواجز التي يمكن للمبصر أن يراها ويتجنبها، أما الكفيف فهو فاقد للبصر يعتمد على حواسه الأخرى  فكيف له بتجنب صدمات يمكن أن تكون مميتة في بعض الأحيان؟.

وقال إبراهيم “كم مرة اصطدمت بعلامات تشوير بالشارع كادت تفقدني وعي لولا الألطاف الإلهية” رحلة التنقل بالنسبة للكفيف مسألة حياة أو موت”، وأوضح (س.ك) قائلا “كنشهد اونخرج في يد الله إما نرجع إما نموت آو لا توقع لي شي حاجة” إذا اعتمد التلميذ على نفسه فالضربات حدث ولا حرج، تنطلق رحلته منذ الساعة السابعة صباحا، وقت الخروج من المنزل والتوجه نحو الحافلة، ليتكبد معاناة الطريق والازدحام، ويصل في الأخير منهوك القوى، يمر يومه بالمؤسسة إلى حدود الخامسة مساء، وقت الدروة، وأزمة النقل بالعاصمة الاقتصادية، ليصل المنزل متعبا ويضع كل تلك المعاناة جانبا ويزاول نشاطه المنزلي بكل نشاط  ليبدأ نهارا جديدا في الصباح وهكذا دواليه.

محظوظون أولئك الذين يرافقونهم آباءهم وأمهاتهم أو أقاربهم إلى المؤسسة، وأولئك الذين يستقلون سيارات الأجرة الصغيرة إلى باب المدرسة، رغم ما يتطلبه ذلك من تضحيات وأعباء مادية يتحملها الآباء قبل الأبناء، ففي غياب سيارات النقل المدرسي الخاص بالمنظمة، يتحمل الأطفال وأقاربهم تبعات التنقل اليومي للمدرسة، داخل حافلات النقل العمومي انطلاقا من فترة انتظار قدوم الحافلة ذهابا وإيابا، متحملين التكدس اللا إنساني داخل الحافلات العمومية وضع لا يقوى عليه الأصحاء فما بالك بدوي الاحتياجات الخاصة؟.

وحتى تكتمل الصورة توجهنا بالسؤال إلى بلال الحسين مدير المنظمة العلوية لرعاية المكفوفين فيما يخص النقل المدرسي، مشيرا إلى أن المنظمة في أصلها جمعية تأسست بقانون الجمعيات لسنة 1958 فهي تقوم بكل إمكانياتها، مؤكدا انه من قبل كانت سيارة واحدة للنقل المدرسي لأن العدد كان قليل، أما اليوم فالعدد تضاعف وبالتالي الجمعية إمكاناتها ضئيلة، ولا تسمح بإحداث سيارات للنقل، خاصة وأن المؤسسة تحتضن 160 طالبا بالمسالك الثلاثة ابتدائي إعدادي وثانوي، اغلبهم من ضواحي الدار البيضاء.

ويقطع التلميذ الكفيف رحلة “سيزيفية” يومية طيلة السنة الدراسية يتكبد خلالها معاناة حر الصيف وبرد الشتاء، أوضاع كانت ستخلف قتلى من المكفوفين في كل يوم لولا الألطاف الإلهية مثل ما وقع مع خديجة وإبراهيم في 9 نوفمبر/تشرين الثاني من السنة الماضية، بعد أن دهستهما حافلة لنقل الأزبال عقب نزولهما من حافلة للنقل الحضري، حادثة مروعة خلفت حزنا واسى عميقين في نفوس أباء وأمهات تلاميذ وتلميذات المؤسسة، الذين كانت الدموع القاسم المشترك بينهم، بحكم العلاقات الوطيدة التي تربط بعضهم البعض.

في اتصال هاتفي لـ “المغرب اليوم” بأخت الضحية سعيدة التي لازالت اثأر الصدمة بادية عليها، تحكي بعبارة أمل الحمد لله على قضاء وقدر الله، استأنفت الحياة رغم أنني لازلت أتكبد نفس معاناة التنقل بالطوبيس برفقة أمي إلا أننا نزل بمكان أخر، بعيد عن مكان وقوع الحادثة حتى لا تتكرر لنا نفس المأساة، فأمي كلما مررنا تتذكر تلك الذكرى المؤلمة ولازالت نفسيتها محطمة والدموع في عينها واسم خديجة لا يغادر شفتيها”. فاجعة الحادث كانت بمثابة النقطة التي أفاضت ألكاس، وعرت واقع تدريس المكفوفين في المغرب، واقع مزري على حد قول العديد منهم، يكشف عن اختلال منظومة التدريس بالنسبة للكفيف عموما، وهو ما جعل بعض الأطر بالمؤسسة، تصرح أن تواجد المدرسة بدرب عمر غير لائق.

ويعتبر خطرًا على حياة أطفال لا يبصرون، مطالبين كافة المسؤولين بضرورة التحرك العاجل قصد إيجاد مكان أخر يحتضن هؤلاء التلاميذ المكفوفين، وتوفير النقل المدرسي لهم، خاصة وأن أغلب المهتمين بشأن الكفيف يتسألون عن سبب عدم استغلال سيارتين استفادت منهما المنظمة في سياق العام الذي تخصصه المبادرة الوطنية للتنمية البشرية للمؤسسات الاجتماعية، أين ذهبت وما هو مصيرها؟ تؤكد مصادر مطلعة أن المؤسسة كانت تحتوي على 3 سيارات تتسع لـ 15 مقعدا، ولم يتم استغلالها بحجة عدم وجود البنزين، تضيف المصادر ذاتها أن المؤسسة محاطة بمحلات تجارية تابعة لها، وتوفر ميزانية مهمة للمؤسسة بالإضافة إلى مجموعة من الفضاءات داخل السوق المركزي، إضافة إلى مداخيل وهبات المحسنين والدولة، تتساءل المصادر عن مصير هذه الهبات.

رحمة الله

من بوتقة هذه الظروف تخرج أساتذة أكفاء، منهم من غادر خارج أرض الوطن، ومنهم أطر بالمغرب، متخصصة في جميع التخصصات كاللغات، والترويض، والتعليم، ومنهم من مازالوا يتابعون دراستهم العليا بمختلف المعاهد والكليات، وبعدة مجالات يشهد لهم بالكفاءة، في جميع المجالات، كفاءة شخصية واجتهادات وطموحات كسرت قيود المعاناة، للصعود للقمة رغم أنه لم يكن طريقا مفروشا بالورود، أشخاص أبانوا عن قدراتهم العالية والخارقة في بعض الأحيان، منهم موسيقيين، وشعراء، ورياضيين، قدرات وتحديات أظهرت أن الشخص الكفيف شخص تواصلي أكثر من غيره، لأن وضعه يلزمه بذلك، كما يلزمه بخلق علاقات مع الناس وفي محيطه الخارجي، يقول إبراهيم أقوم بخلق علاقات يسودها الاحترام المتبادل، والتواصل مع مختلف الشرائح الاجتماعية.

في ظل هذه العلاقات ينسى الكفيف الوضع المزري داخل وطن ومع مواطنين مغاربة تطبعهم روح التكافل والرحمة، بشهادة أغلب المكفوفين يتفهمون وضعية الكفيف، ويسرعون لمساعدته في الطريق وفي معظم الأماكن العمومية على قدر المستطاع، يقول إسماعيل رغم أننا نعاني قساوة وتغيرات البنية التحتية والهندسة التي لا تراعي وضعية المعاق عامة، إلا أننا ننسى هذه المعاناة ونسعد بالمساعدات التي يقدمها المواطنين أثناء تنقلاتنا  ومن تم تنشأ بيننا علاقات خاصة.

 فحسب المهتمين بشان الكفيف فقد مر بالحكومات السابقة بعض الأشخاص الذين كانت لهم مسؤوليات، وكانوا يتفهمون وضعية المعاق سواء كنوع من الحنان أو الرأفة، منهم يعطون مناصب للمكفوفين والمعاقين انطلاقا من كونهم لهم الحق قبل غيرهم. من رحمة الله لهذا الكفيف أنه يعيش بمجتمع سمته الأساسية والدينية التكافل والتعاون وهو ما أكده معظم المكفوفين، يقول مصطفى “مساعدة الناس هي ما يملكه الكفيف بعد رحمة الله في غياب حقوق تضمنها الدولة”، بالأبناك، والمحلات التجارية، في محطات القطار، والحافلات، وفي كل المرافق العمومية كلها أماكن يحتاج فيها الكفيف لرفيق يساعده ويدله على الطريق، ويوجهه نحوى مبتغاه، كحالة محمد رجل في عقده الرابع لم يسعفه الحظ الولوج للمدرسة لكنه لا يفارق ابنه أين ما حل وارتحل يقول محمد إبني الصغير هو أعيوني التي أرى بها، يرافقني أين ما حللت وارتحلت ليساعدني في التعرف على الأماكن، والطرق، وأكثر شيء هو النقود.

المغرب اليوم

 

عن نوف سعد