أخبار عاجلة
الرئيسية / الأخبار / بالكاميرا .. “نهال” تتحدى الإعاقة

بالكاميرا .. “نهال” تتحدى الإعاقة

سنابل الأمل / متابعات

بارعة في استخدامها لحلمها.. في لحظة تجدها تنظر يمينًا ويسارًا باحثةً عن شيء! تنتفض من مكان جلوسها مُلتقطة في يدها أقصى طموحها وأحلامها حاملة لذلك الطموح مُتجهة نحو أوراق الشجر التي تقع أمامها مع نسمة الهواء العليل ترفع يديها الناعمتين لتحتضن تلك الأصابعُ هيكلًا يُجسد لها الهواء النقي في حياتها، ليكون ذلك الهواء التي تتنفسه هو عشقها للتصوير الذي يتجسد في الكاميرا التي تحملها.

“نهال” مُنذ ولادتها وهي مصدر اهتمام عائلتها، إلى أن تمت الشهر الخامس، تقول والدة “نهال”: “حاولت لفت انتباهها والنداء عليها لكنها لم تستجب لي على عكس باقي الأطفال في سنها، خشيتُ من أن تكون ظنوني صحيحة وأن يكون نصيب ابنتي أن لا تسمع وتصبح صماء وبكماء، كل من حولي كان يُشعرني بالاطمئنان ويلوم عليَّ أنني أسرح بتفكيري إلى ذلك الاتجاه قائلين: “ماتزنّيش على البنت.. ماعندهاش حاجة، هيَّ كويسة”.

لم يُشعرني ذلك بالتحسن فأنا أمّ، لذلك انتبهتُ أكثر فأكثر ولاحظتها، لكن ابنتي لم تنتبه لي.. ذهبتُ إلى الطبيب ليؤكد ظنوني، وهنا كانت صدمة حياتنا أنا ووالدها، فقد كانت تلك الصدمة في نهال عاشقة التصوير، كنتُ أحمد ربي أنها كانت تسمع بنسبة 20%، وقفتُ لحظة وقررتُ أن أؤهل نهال، لكي لا تنشأ على أنها فتاة صماء كما يراها المجتمع.وبحُبٍّ وضمير مُنعش تقبلوها في مدرسة كباقي التلاميذ، لم أرغب في وضعها في مدارس ذوي الاحتياجات الخاصة. نهال تتحدث ببطء لكنها تُحدثني وتفهمني، لم أرد لها أن تتعلم لغة الإشارة وتكون عاجزة عن الكلام نهائي هكذا نُدمرها، لذلك عملت ودرست لكي أُحسن تلك النسبة الضئيلة لديها في السمع”.

ما أخرس إلا قلوبكم.. مُجتمع مريض يُطلق عليهم لفظ “الأخرس” تلك الكلمة الجارحة التي لم أرغب في سماعها، عند نطقها تتذمر “نهال” مُحدثة نفسها: لماذا لا أتكلم؟ أمي.. لماذا لم أعمل عملية لأكون سليمة مثل الباقي؟ على الرغم من شخصيتها القوية فإن ذاك النقص يتملك منها في بعض الأوقات يُحبطها أكثر فأكثر.

تحدت “نهال” تلك الظروف التي وضعتها في محل الاختلاف عن المجتمع وأُتقنت دروسها وتعلمت جيدًا لتصل إلى مجموع 98% في الثانوية العامة، وكانت رغبتها دخول كلية هندسة بصريات، لتذهب والدتها في كل صباح تكتب لها المحاضرات وتشرحها متقبلة تلك المعافرة مع الحياة والمثابرة رغم ظروف حالتها، ليُكلَّل كل ذلك المجهود والتعب بالنجاح وتتخرج “نهال” بتقدير.

ليت الجميع يعرف أن الصُم والبكم يمتلكون مشاعر وإحساسًا، ولديهم عقل ربما أفضل من غيرهم، هم يفكرون دون ضغط من العوامل الخارجية التي تُحيط بنا لذا الشعور بهم ضروري على المجتمع.. هنا تكمن مُعاناة “نهال” مع مجتمعها من محدودي المشاعر، فهي بعادتها ترغب في العمل وبشدة ليس لكونها بحاجة إلى المال لكنها بحاجة إلى الشعور بأنها طبيعية.

تحكي “نهال”: بعد تعلُم الخطوات الأولى في التصوير قابلني شخص من وزارة الثقافة يُدّعى أنه يُريد أن يتبناني أنا ومن في مثل ظروفي ليجعل منّا “شيئًا كبيرًا”، وسعدتُ بشدة لتفكير الغير بي وكنت أذهب معه أينما يطلب مني وفعلت ما يُريد إلى أن أتقنت التصوير وتمكنت من تكوين حصيلة من الصور الجيدة التي أستطيع بها فتح معرض خاص بي، لكن بعد ثلاث سنوات وجدت أن ذلك ليس له مُقابل، فلم يكُن كما توقعت، فقد أخذ حصيلة مجهودي من الصور وعرضها على أنها له.

لم تتوقف مُعاناة “نهال” وشعورها بالنقص على ذلك فقط، فقد تقدمت لوظيفة مُتعلقة بأعمال الكمبيوتر نتيجة حصولها على كورسات عديدة به وإتقانها الشديد في ممارسته، وتم قبولها وفقًا لقانون الـ”5%”، عند ذهابها للعمل وجدت ما لم يكُن على الحُسبان، فلم تكن وحدها، فقد كانت الصدمة أنهم جعلوها هي ومن في مثل حالتها ينظفون الأماكن، واستغلوا ضعفهم في تعبئة الأكياس وأعمال لا تتوافق مع مهندسين وخريجي كُليات قمة.

كم هي فئة مظلومة.. “مفيش رحمة” كلمات ظلت تُهمهم بها تلك الفتاة الطموحة لمُستقبل يحمل شهرتها على جميع ألسنة من عاب واستهزأ بأحلامها، صحيح أنها خُلقت دون نعمة السمع لكن ربها أعطاها ما لم يخطر على بال أحد، أعطاها المشاعر والصدق والإبداع، فهي لديها إبداع يفوق الخيال.هُم ليسوا مرضى ومن يطلق عليهم ذلك المُسمى هو المريض أخلاقيًّا وإنسانيًّا، “نهال” فتاة مثلها مثل الجميع ترغب أن تُحقق حلمها وأن يكون لها الحق في ممارسة حياتها دون ضغط عليها ممن حولها بسبب ما أخذه الله منها.”عايزة كارنيه يسمح لي بالتصوير بس عشان الأماكن اللي بتطلب إثبات إني مصورة”.. هذا أقصى طموحها.

 

عن أنوار العبدلي