أخبار عاجلة
الرئيسية / الواجهة / “محمود” سوري تحدى الغربة والإعاقة ويبيع الحلوى بكافتيريات العاشر

“محمود” سوري تحدى الغربة والإعاقة ويبيع الحلوى بكافتيريات العاشر

 

 

أن يتحدى شاب إعاقته ويبرع فى مجالات مهنية مختلفة.. تلك بطولة، لكن أن يضاف لتحدى الإعاقة تحدى أكبر وهو الغربة القسرية وترك الوطن تلك بطولة أكبر.. هذا هو حال محمود الأفندى شاب فى العشرينيات من العمر ملامحه الطفولية وابتسامته التى تشع أملا تجعلك تتفاءل بمجرد حديثك معه، ورغم تأثير إعاقته على مخارج الألفاظ لديه لكنه يملك حس الدعابة وخفة الظل والنكات المصرية، ويعشق قول “الألشات”.

محمود الأفندى شاب فى عمر الثلاثة وعشرون عاما ، ملامحه الطفولية وابتسامته التى تشع أملا تجعلك تتفائل بمجرد حديثك معه ، ورغم تأثير إعاقته على مخارج الألفاظ لديه لكنه يملك حس الدعابة وخفة الظل والنكات المصرية ، ويعشق قول “الألشات”.

حين تبدأ الشمس تغيب ويخرج سكان مدينة العاشر من رمضان لشراء مستلزماتهم وسط المدينة ، يختلط المصريين بالسوريين ،  لكن تبقى اللهجة السورية تجذب الآذان ، فاذا بصوت متعلثم يقترب من أسرة تجلس تحتسى بعض العصير ، وبيده كيس من الحلوى يحمل اسم أحد مصانع العاشر ، تعلو وجهه ابتسامة ويقرب يده للجالسين قائلا: “عايزه حلوى”.

البعض يظن أنه قد يطلب مساعده ، لكن سرعان ما تتبدل الصوره كلية ، حين يُقدم احد بإعطاء محمود نقود فاذا به يرد بحسم ملوحا بيده “لاء أنا مش عايز فلوس أنا عايزك تشترى منى”، فإذا بالآخر يبتسم قائلا له: “هات كيس”، ويتكرر المشهد يوميا وفى أماكن مختلفة، حتى صارت الأطفال الصغار يعرفون محمود بالاسم وإذا مر بالقرب منهم ولم يتقدم من منضدتهم يجرون عليه وينادوه ، أحيانا يجلس معهم ويلقى عليهم الألشات المصرية فهو ماهر فى التقاط الأفية ويقوله ويضحك بصوت عالى وحركات طفولية.

اليوم السابع التقى محمود على كافتريات واحه النخيل بالعاشر التى تعتبر ملاذ كثير من السوريين فى العاشر ، وبعد انتهاء عمل محمود الذى يبدأ من السابعة مساء وحتى العاشرة، يقصدها يوميا ، ويطلب الشيشية التفاح ويتبادل الحوار مع الجالسين حوله من الشباب فى عمره مصريون وسوريون”.

محمود روى  ، أجزاء عن حياته، حين عاش طولته فى حى الحريقة وهى المنطقة الواقعة جانب سوق الحميدية من جهة الجنوب فى دمشق، وسوق مدحت باشا من جهة الشمال، بين جادة الدرويشية غرباً وسوق الخياطين شرقاً.

ويعرف محمود من أين جاء اسم الحى الذى عاش فيه ، أنها نفس المكان الذى حل به “سيدى عامود” ومدفوناً فيها، وأصبحت تعرف باسم “الحريقة” بعد الحريق الذى شب فيها وقت القصف الفرنسي لدمشق عام 1925 وأدى إلى دمار واسع ، وسقطت قذيفة مدفعية أطلقت من قلعة المزة فوق قبة حمام الملكة فى سيدى عامود، فاشتعلت التيران وامتدت إلى البيوت والمحلات المجاورة، فالتهمت فرن جبران وزقاق المبلط وراء سوق الحميدية، ثم زقاق سيدى عامود وبعضاً من سوق مدحت باشا ، معربا عن أمله فى زيارة سوريا وبلدته ، ولكن بعد أن يحصل على الإقامة فى مصر.

وهنا يصمت محمود قليلا، ثم يقول: “أنا أعيش فى منزل مع أسرتى بالقرب من ميدان الأردنية بالعاشر من رمضان ، وأنا عايز أدخل المدرسة هنا فى مصر ، لاحصل على الإقامة ، فأنا خرجت من التعليم وأنا فى الصف الخامس الابتدائى ، بسبب مضايقة الأولاد لى مبتسما ويؤكد أنه يعرف يقرأ جيدا ويكتب وأيضا شاطر فى الرياضات “.

محمود من إحدى العائلات الكبرى فى دمشق، وهى عائلة الأفندى، وهى من العائلات الثرية، وكان يمتلك والدة عدة معارض لبيع وتجارة السيارات، لكن بعد الأحداث التى مرت بها دمشق وسوريا وجاءوا لمصر واستقروا بها ، عمل والدة خياط لملابس الأطفال ، لكن طبيعة محمود منذ أن كانوا يعيشون فى دمشق كان لا يحب أن يصبح عبء على أسرته ، وكان يترك معرض سيارات والده ويعمل فى أماكن عديدة بعيدا عن سلطة أبيه قائلا: “مش ينفع أنا أروح أقعد وأخى يعمل كان لازم أنا كمان أعمل”.

وعن أسرة محمود يقول: “إن أسرته أخذت الإقامة على أخته الطالبة فى الصف الأول الإعدادى بمدينة العاشر من رمضان، وأخية الأكبر يعيش فى ألمانيا، وهو الوحيد الذى يعيش بلا أقامة فى مصر، ويود أخذ الإقامة ليسافر إلى دمشق لرؤية أصدقائه.

محمود يعانى من أعاقة جسدية فى أطراف يديه وقدمه ، منذ ولادته ، وكل حلمه ، أن ينشأ مركز للمعاقين، يعلمهم فيه القراءة والكتابة، وأيضا يعلمهم حرف ، لأن فلسفته قائمة أن الإعاقة الحقيقية هى الجهل ، لكن المعرفة تجعل المعاق قادر على مواجهة الحياة بكل ما فيها”.

ويروى محمود الأفندى تجربة مريرة له فى أحد مراكز المعاقين فى العاشر قائلا: “نور الرحمن مفيش اهتمام”، يضعون الإعاقة الذهنية مع الإعاقة العقلية فى نفس الفصل ، ولا يقدمون لهم خدمة تعليمية، وهذا غير صحيح ، لكن أنا سأقوم بالتعاقد مع مدربين متخصصين يساعدون المعاقين فى أن يكونوا مفيدين لأنفسهم وللبلد الذى يعيشون فيه لأن كل واحد منهم يمتلك قدرة غير عادية على النجاح وتحدى ظروفه ، وأن الخلط بين الأعاقتين يؤثر بالسلب على كليهما”.

محمود معروف بالأسم عند أصحاب مصانع العاشر من رمضان التى تصنع وتبيع الحلويات ، فتراه يحدثك عن الحاج محمد الفندى قائلا ، دا حبيبى وبيدينى الحلوى بدون مقابل ، ويعطى لى أكياس من أجود الأنواع ، لكن أنا اقوم بشراءها من مصانع أخرى ، لأبيعها .

محمود طور من نفسه وبدلا من مروره بأكياس حلوى فى يده قرر أن يشترى ، برطمانات بلاستيكية ، وقام أحد أصدقائه بطباعة استيكر له يحمل اسم حلويات سوريا لصاحبها محمود الأفندى ، حتى يبيعها للناس بدلا من وضعها فى الكيس ، أعادة تعبئة وتوزيع .

ويقصد محمود كثير من رجال الأعمال السوريون الذين يعملون فى مجال صناعة الحلويات ليشترى منه حلويات سورية ليبيعها ويكبر من تجارته ، ولم ينس محمود الأدخار حيث يكسب فى اليوم 100 جنيه يخصم منها ثمن الحلويات ويتبقى له 30 جنيه يشرب الشيشة والعصير منها ويدخر الباقى حتى اشترى لنفسه عجلة مجهزة يضع فيها الحلوى لتيسر عليه المرور والمشى فى العاشر ، لكن لم تمر عليه يومان حتى صدمته سيارة ونقل على أثارها للمستشفى يعانى من كدمات فى القدمين ويعمل علاج طبيعى وعاد محمود بلا عجله قائلا: “هبدأ من جديد مش مشكلة”.

 

 

المصدر موقع / اليوم السابع

عن أنوار العبدلي