أخبار عاجلة
الرئيسية / آفاق نفسية / فرط النشاط.. الدعم النفسي بداية الشفاء

فرط النشاط.. الدعم النفسي بداية الشفاء

 

 

يعتبر فرط النشاط ونقص الانتباه اضطراباً يصيب الأطفال من سن السادسة إلى مرحلة البلوغ، وتبدأ أعراضه بالتشتت وعدم التركيز والحركة الزائدة عن الطبيعي، وهناك حالات لا تظهر لها أعراض مباشرة، وربما تنشأ عند الطّفل مشكلات نفسيّة أو مشكلات في العلاقات الاجتماعيّة بسبب الحالة التي يُعاني منها، ومن أجل معرفة ما إذا طفلك يعاني منه، لابد من التعرّف أوّلاً على ماهية هذا المرض وأسبابه وأعراضه وكيفية الوقاية منه وعلاجه، وهذا ما نناقشه في سطور هذا التحقيق.

توضح الدكتورة ربا مناشي، أخصائية طب الأطفال، أن بين الشقاوة و«اضطراب نقص الانتباه وفرط النشاط» خيط رفيع، حيث إن الأطفال بطبيعتهم يتّسمون بشخصية أكثر حيوية ويميلون إلى التركيز لفترات زمنية قصيرة نسبياً بالمقارنة مع من يكبرهم سناً، ولذلك عند تشخيص طفل ما بأنّه يعاني من «اضطراب نقص الانتباه وفرط النشاط»، لابد من التدقيق جيداً في سلوكه النفسي والجسدي وكيفية تعامله في مواقف وظروف معيّنة، وهو مرض نفسي ناتج عن خلل كيميائي عصبي يؤثّر في تصرّفات الطفل وقدرته على التركيز، وربما يترافق هذا المرض مع الطفل حتى مراحل متقدّمة من حياته إذا ما لم يتم تشخيصه ومعالجته بالشكل الصحيح، وبالرغم من أن هذا المرض لا يعد من الأمراض المزمنة أو الخطرة على صحّة الإنسان، إلا أنه ربما يؤدّي إلى الإصابة بمشاكل نفسية وسلوكية أكثر تأثيراً على الحياة الشخصية والمهنية وكذلك الصحية للفرد، وعلى سبيل مثال لا الحصر، الصعوبات التعليمية وقلّة الانتباه والاكتئاب والاضطرابات السلوكية وعُسر التعلّيم واضطراب العناد الشارد ومتلازمة توريت وغيرها.

أعراض أولية

حسبما تفيد د. مناشي، ليست هناك طريقة أو أسلوب محدّد لتشخيص الإصابة بـ «اضطراب نقص الانتباه وفرط النشاط»، ولكن يتّفق الخبراء على أن الأعراض الأولية للإصابة بهذا المرض تظهر بشكل واضح عند قيام الطفل بأنشطة تتطلّب قدرة عالية على التركيز والتفكير، ولذلك غالباً ما تظهر الأعراض بوضوح على الأطفال بين السادسة والسابعة من العمر بالتزامن مع بدء عمل الواجبات المدرسية وتزايد المهام اليومية المنوطة بهم، مع العلم أن بعض الأعراض تظهر في مراحل مبكرة تعود إلى فترة الرضاعة، وفي سبيل التأكّد من عدم التشخيص الخاطئ لحالة الطفل، ينبغي أن يتوفّر ما لا يقل عن ستة أعراض متعلّقة بأي من الأنواع الثلاثة التي تندرج تحت «اضطراب نقص الانتباه وفرط النشاط» والتي تختلف أعراض كل منها عن الأخرى إلى حد ما، وتتمثّل هذه الأنواع في:

 

• التشتّت ونقص الانتباه، حيث يعاني الطفل من قلة التركيز أكثر منه فرط النشاط والاندفاعية، وتتمثّل أعراض هذا النوع في صعوبة التركيز، وكثرة النسيان، والإهمال، والفوضوية، وعدم القدرة على إنهاء الواجبات المدرسية أو اتّباع التعليمات، والفقدان المتكرّر للأغراض الخاصة كالكتب والأقلام والألعاب، والشعور الدائم بالعصبيّة وعدم الارتياح.

• الاندفاعية الزائدة، وتشتمل أعراضها على النشاط الدائم، والتكلّم بشكل مفرط، وعدم القدرة على اللعب بهدوء أو الجلوس في مكان معيّن لمدّة طويلة، والقيام بتصرّفات سلوكية غير مبرّرة كالركض في الأماكن المزدحمة أو تسلّق الجدران والأبواب، بالإضافة إلى قلّة الصبر وعدم القدرة على الالتزام واتّباع الإرشادات، والإجابة العشوائية على الأسئلة ومقاطعة محادثات الغير.

• النوع المشترك، حيث يكون الطفل يعاني بالدرجة نفسها من نقص الانتباه والاندفاعية الزائدة، وتظهر عليه أعراض مشتركة ممّا سبق وتم ذكره.

تضيف: وفقاً للدراسات الحديثة، ربما تختلف السلوكيات والأعراض أيضاً باختلاف الجنس، حيث يعد فرط النشاط والاندفاعية الزائدة أكثر شيوعاً بين الأطفال البنين بالمقارنة مع البنات اللواتي يعاني معظمهن من نقص الانتباه، وتفصيلاً، نجد أن البنين يميلون أكثر إلى اللعب وعدم الاستماع أو اتّباع التعليمات الموجّهة لهم سواء في المدرسة أو المنزل، بينما تكثر بين البنات ظاهرة أحلام اليقظة والغوص في الأفكار الخيالية التي تعيق قدرتهن على الانتباه والتركيز، ولكن كما سبق وذكرت، تعد معظم هذه السلوكيات أمراً بديهياً لدى الأطفال في الفئة العمرية الصغيرة وليس من الضرورة أن تعني الإصابة بـ «اضطراب نقص الانتباه وفرط النشاط»، غير أن استمرار هذه السلوكيات أو الأعراض لفترة زمنية تتعدّى ستة أشهر وتكرارها في مواقف وظروف مختلفة وميول الطفل الدائم إلى إثارة المشاكل والإزعاج أثناء القيام بأي نوع من الأنشطة في المدرسة أو المنزل، جميعها دلائل تزيد من الحاجة إلى زيارة الطبيب المختص للقيام بتشخيص أكثر دقّة والتأكّد من الحالة النفسية والصحية للطفل.

عوامل الإصابة

تبين د. مناشي، أنه وعلى غرار العديد من الاضطرابات النفسية الأخرى، لم يتوصّل الخبراء والمتخصّصون حتى الآن إلى إجابة حتمية تحمل اليقين والحسم فيما يتعلّق بالسبب وراء تكوّن «اضطراب نقص الانتباه وفرط النشاط» لدى الأطفال، غير أنّهم خلصوا إلى عدد من الأسباب الأكثر إقناعاً وترجيحاً، وهي:
• عامل الوراثة: تدل الأبحاث الإحصائية إلى أن هذا الاضطراب يتوارثه الأطفال جيلاً بعد جيل، إذ تبيّن أن واحداً من كل أربعين طفلاً يعاني من هذا الاضطراب لديه قريب واحد على الأقل مصاب بالاضطراب نفسه.
• أداء البنية الدماغية: وجد الخبراء أن الأطفال المصابين، لديهم بنية دماغية تختلف من حيث الأداء عن الأطفال العاديين، حيث تمت ملاحظة تدنّي نشاط المنطقة الدماغية المسؤولة عن النشاط والانتباه والتحكّم بردود الفعل لدى الأطفال المصابين.
• الولادة المبكرة: لاحظ المتخصّصون أن نسبة لا بأس منها من الأطفال الذين يولدون قبل الشــــهر التاسع يكــــونون أكثــــر عرضـــــــة للإصابة.

• التعرّض لظروف بيئية معيّنة: أثبتت الدراسات أن الأمهات اللواتي يواصلن التدخين أو تناول الكحوليات وتعاطي العقاقير أو اللواتي يتعرّضن لبيئات ملوّثة وسامة خلال الحمل هن أكثر عرضة لإصابة طفلهن بـ «اضطراب نقص الانتباه وفرط النشاط».
• العبقرية: وهذا يعود إلى سلسلة من دراسات الحالة التي وجدت أن العديد من عباقرة العالم يُعتقَد أنّهم كانوا مصابين بـ «اضطراب نقص الانتباه وفرط النشاط» الذي أدى إلى مواجهتهم العديد من المشاكل في المدارس وفي التعامل مع الآخرين، منهم ألبرت آينشتاين ووالت ديزني وتوماس أديسون وإسحاق نيوتن وغيرهم.

للأدوية تأثير مؤقت

تشير د. مناشي إلى أنه عندما يتم التشخيص الأكيد لـ «اضطراب نقص الانتباه وفرط النشاط»، يلجأ معظم الأطباء المختصين إلى العلاج النفسي والسلوكي ووصف الأدوية التي من شأنها تعزيز قدرة الطفل على التركيز والحد من فرط الحركة والنشاط الدائم، وتشتمل على الأدوية المنشطّة التي تُعنى بتحفيز الدماغ وإعادة تسوية نشاط الناقلات الكيميائية بين الأعصاب إلى المستوى الطبيعي، الأمر الذي من شأنه أن يقلّل من الأعراض الظاهرة، ولكن من المعروف أن مفعول هذه الأدوية يدوم لفترة زمنية قصيرة وله أعراض جانبية قد تؤدّي إلى فقدان الشهية وصعوبة في النوم وخسارة الوزن والإصابة بتشنّجات عضلية لا إرادية، بالإضافة إلى الشعور بالانزعاج والعصبية فور زوال مفعول الدواء، كما يمكن للأدوية المنشطّة أن تسهم في إبطاء عملية نمو الجسم أثناء فترة العلاج ولكن سرعان ما يعود الجسم إلى طبيعته بعد انتهاء الجرعة المحدّدة، وفي حال ظهور أي من الأعراض الجانبية الناتجة عن تناول الأدوية المنشطّة أو في حال عدم ملاحظة أي تقدّم في الحالة النفسية والسلوكية للطفل، يتم استبدال الأدوية المنشطّة بعقاقير مهدّئة تُستخدَم غالباً لمعالجة الاكتئاب وضغط الدم المرتفع، وحتى تاريخه، أثبتت هذه العقاقير فعالية عالية في معالجة «اضطراب نقص الانتباه وفرط النشاط» والحد من أعراضه.

العلاج النفسي

تؤكد د. مناشي أن العلاج النفسي والسلوكي يبقى العامل الأساسي والأهم لضمان تحقيق أفضل النتائج والتغلّب على «اضطراب نقص الانتباه وفرط النشاط»، ويتضمّن ذلك سلسلةً من جلسات المعالجة النفسية والمعالجة السلوكية والمعالجة العائلية، بالإضافة إلى الجلسات المرتكزة على إشراك أولياء الأمور والتي تهدف إلى توجيههم وتمكينهم بالمهارات والمعرفة اللازمة للتعامل مع الأمر ومساعدة أطفالهم على اكتساب المهارات والمؤهّلات الاجتماعية، تبقى الحاجة الأهم فيما يتعلّق بالاضطرابات النفسية التي تصيب الأطفال، ومنها «اضطراب نقص الانتباه وفرط النشاط»، أن يتم رفع مستوى الوعي العام بين أوساط الآباء والأمهات وأعضاء الهيئات التدريسية حول الأمراض النفسية الشائعة بين الأطفال واطلاعهم على أفضل الممارسات والخطوات اللازمة للكشف المبكر عنها والتعامل الصحيح مع كل منها والعمل المتضافر علــــى تحــــويل مثل هذه الاضطرابات إلى عوامل محفـــــّزة للإبــداع والابتكار لدى الأطفال وإطلاق العنان لقدراتهم ومهاراتهم الكامنة.

حالة مزمنـة

وعن أهمية العلاج النفسي في اضطراب نقص الانتباه مع فرط النشاط/ الحركة، تذكر الدكتورة رينا توماس أخصائية الطب النفسي، أن هذا الاضطراب يعتبر حالة مزمنة تصيب ملايين الأطفال وتلازمهم حتى في مرحلة البلوغ، ومن المشكلات التي يتم نَسْبُها إلى اضطراب الانتباه والتركيز، ويعاني الأطفال الذين يصابون بهذا الاضطراب، بشكل خاص، من تقييم ذاتي متدنٍّ، وعلاقات اجتماعية إشكالية وتحصيل متدنّ في المراحل التعليمية، وبالرغم من أن قسماً من الأطفال المصابين باضطراب نقص الانتباه والتركيز المصحوب بفرط النشاط، ويعانون من جانب واحد من هذه المعادلة، إلّا أن معظم الأطفال يعانون من المزيج الذي يشمل الاضطرابين معاً ( نقص الانتباه والتركيز وفرط النشاط)، وتظهر العلامات والأعراض الأولى عند القيام بفعاليات تتطلب التركيز وبذل مجهود فكري، على وجه الخصوص، ومن الأعراض التي تدل على الإصابة باضطراب نقص الانتباه والتركيز:

• عدم قدرة الطفل في أغلب الأحيان، على الانتباه للتفاصيل أو ارتكابه بعض الأخطاء الناجمة عن قلة الانتباه في تحضير واجباته المدرسية، أو عند قيامه بنشاطات أخرى.
• في معظم الأحيان يكون الطفل غير قادر على البقاء منتبهاً ومتيقظاً أثناء القيام بمهام معينة، واجبات مدرسية أو أثناء اللعب، فيبدو الطفل كأنه غير منصت لما يقال له، حتى عندما يتم التوجه إليه بشكل مباشر.
• يُظهر الطفل صعوبةً في تنفيذ التعليمات أو تتبعها، ولا ينجح، في معظم الأحيان، في إتمام واجباته المدرسية، واجباته البيتية أو واجبات أخرى.
• لا يلتزم الطفل بالتنظيم أثناء تحضير الواجبات المدرسية أو خلال تنفيذ مهام أخرى.
أساليب علاجية
وتنصح د. توماس الآباء بمتابعة علاج أطفالهم باتباع الأنواع التالية من العلاج:
1- العلاج النفسيّ، الذي يُساعد الطّفل على تخطّي هذه المُـــــشكلات وفــيه ينفذ الوالدان تعليمات الطبيبة النفسية حرفياً ويتعاملان مع طفلهما بمزيد من الصبر والمثابرة والإصرار على الشفاء.
2- العلاج السلوكيّ، يُعنى بتعديل السّلوك واستخدام طُرق مُبتكرة لتعزيز التصرّفات الجيّدة لدى الطّفل ونبذ الخاطئة، ويشترك في تعليمه كلّ من الأهل والمدرسة والطّبيب، كإيجاد أساليب لتحسين الأداء الدراسيّ، أو التّدريب على التّفاعل مع البيئة الاجتماعيّة وتعلّم آدابها وقوانينها، ومن أهم أساليب العلاج السلوكيّ في الحدّ من مُشكلة النّشاط الزّائد وتشتّت الانتباه ما يأتي:
– التّنظيم الذاتيّ، ويشمل الملاحظة والمُتابعة والتّعزيز الذاتيّ، حيث يتعلّم الطّفل أن يقوم بضبط نفسه في ظروف مُعيّنة، ثم يُعمَّم هذا الضّبط على المواقف المُشابِهة، فينتبه لنفسه ولتصرّفاته، ويُكافَأ عندما يتصرّف بطريقة تُحسِّن من أدائه، ويتمّ ذلك دون تدخّلٍ علاجيّ خارجيّ.
– التّعزيز الرمزيّ، ويعني استخدام رموز ماديّة مُعيّنة، كالنّجوم على لوحة النّشاطات ليستبدلها لاحقاً بأشياء يرغب فيها، فمثلاً كلّ عشر نجوم يستطيع أن يطلب شيئاً يُريده ويُقدَّم له، وأثبت هذا الأسلوب فعاليّةً في علاج فرط الحركة وتشتّت الانتباه.
– الاسترخاء، ويدرَّب في هذا الأسلوب على أن يُهدِّئ الطّفل نفسه عن طريق تخيّل أشياء مُريحة، أو قد يستعمل الاسترخاء العضليّ أيضاً لتهدئة الأطفال.
– التّعاقد السلوكيّ، وفي هذا الأسلوب يتعاقد الأهل أو المُعلّم مع الطّفل بعقد مكتوب يتّفق الطّرفان على بنوده، ويجب أن يكون عادلاً وإيجابيّاً وواضحاً، يقوم فيه الطّفل بتأدية مَهمّة مُعيّنة بالمُقابل يحصل على شيء مُعيّن.
– التّغذية الرّاجعة، وتتضمّن أن يقوم الأهل أو المُعلّم بالشّرح للطّفل عن نتائج السّلوك الذي يقوم به، مثل أن يرى الطّفل نفسه في الفيديو ويرى كيف تصرّف ليستطيع فهم السّلوك من زاوية أخرى، وبالتّالي يُحاول السّيطرة عليه.
3- العلاج بالتّغذية، وهنا يتركّز العلاج على تغيير نمط الغذاء الذي يتناوله الطّفل بإبعاده عن المواد المُشبَعة بالألوان الصناعيّة، والمُنكِّهات الكيماويّة، والمواد الحافظة، وتوجيه الطّفل للطّعام المُفيد من الخضراوات والفواكه، واللّحوم البيضاء، والأسماك، إضافةً إلى ضرورة إدخال عسل النّحل في غذائه اليوميّ لأثره المُباشر في تخفيف هذا الاضطراب السلوكيّ.
4- العلاج الدوائيّ، ويعتمد على ما يُقرّره الطّبيب المُعالِج، وفيها يُعطَى الطّفل عقاقيرَ مُنشّطةً للجهاز العصبيّ المركزيّ، ولكن كأيّ دواء هنالك أحياناً أعراضٌ جانبيّةٌ لاستخدام هذه الأدوية، لذا يجب الإشراف المُباشر من الطّبيب ومُتابعة الحالة.

عن أنوار العبدلي