أخبار عاجلة
الرئيسية / آفاق نفسية / في تصنيف الإعاقة: التأتأة كمثال

في تصنيف الإعاقة: التأتأة كمثال

حدثت مع أحد الأشخاص الذي صدف أنه مدير للموارد البشرية بإحدى الشركات، وسألته عن تعامله مع المتأتأيين في المقابلات الوظيفية ونوعية الوظائف التي قد يتم توظيفهم عليها، في حال تم قبولهم أصلًا، فقال إنه لن يوظفهم في أية وظيفة تتطلب الحديث والتواصل مع الآخرين، وأن وظائفهم تكون معزولة وخلف شاشة الكمبيوتر بدون الاختلاط بأحد. وكدعم لرأيه، ذكر أن لكل وظيفة متطلباتها وأن المتأتئ لن يفي بهذه المتطلبات.

استفز لدي هذا الموقف بعض التساؤلات ومنها، هل التأتأة إعاقة؟ وما هي نتيجة تصنيفها كإعاقة؟ وكيف يتعامل القانون مع التمييز ضد المتأتئيين في دول العالم المتقدم؟ سأحاول الإجابة على هذه التساؤلات في هذه المقالة.

الإعاقة والتأتأة

نبدأ بتعريف الإعاقة، تُعرّف منظمة الصحة العالمية الإعاقة بأنها: مصطلح يغطي العجز، والقيود على النشاط، ومقيدات المشاركة. والعجز هي مشكلة في وظيفة الجسم أو هيكله، والحد من النشاط هو الصعوبة التي يواجهها الفرد في تنفيذ مهمة أو عمل، في حين أن تقييد المشاركة هي المشكلة التي يعاني منها الفرد في المشاركة في مواقف الحياة، وبالتالي فالإعاقة هي ظاهرة معقدة، والتي تعكس التفاعل بين ملامح جسم الشخص وملامح المجتمع الذي يعيش فيه أو الذي تعيش فيه.

وتعرِّف منظمة الصحة العالمية أيضًا التأتأة بأنها أحد اضطرابات النطق المتمثلة في عدم انسياب الكلام من اللسان بطلاقة واسترسال. فالمتأتئ يتحدث عادة بشكل متقطع، ويتخلل كلامه الكثير من الوقفات، يجد فيها نفسه عاجزًا عن إنتاج الأصوات التي يرغب في إصدارها لإيصال رسالة ما إلى مُخاطبيه أو مستمعيه، كما يكرر بعض الكلمات بشكل لا إرادي، ويمدد بعض الحروف،خاصة أحرف العلة، ويُمطط بعض المقاطع اللفظية والكلمات والجمل.

من ملاحظة التعريفين، نجد أن تصنيف التأتأة كإعاقة، هو أمر خاضعٌ للتقدير. فإذا كانت تحد وتقيد قدرة الفرد على ممارسة نشاطاته الحياتية الرئيسة، ومن أهمها التواصل مع الآخرين، فهي قد تصنف كإعاقة. والصعوبة في تصنيف التأتأة كإعاقة هنا، هو في اختلاف مستويات تقييدها للتواصل مع الآخرين، وهنا يأتي دور التقدير لكل حالة.

ما هي النتيجة لو صُنفتْ التأتأة كإعاقة؟

صعوبة التصنيف هنا هي في حد ذاتها مشكل يستوجب الحل والمواجهة. ولكن – لخدمة غرض المقالة – سنفترض بأن هناك إجماعًا على تصنيفها كإعاقة. وبهذا التصنيف، ستتكون لدينا نتيجتان: واحدة مرتبطة بالمجتمع، وأخرى بأصحاب الأعمال (أو المشغلين).

المجتمع

ككل مجتمعات العالم، يُنظر للأفراد ذوي الاضطرابات أو الاعتلالات أو الضعف الجسدي أو العقلي على اختلافها – وأتحدث هنا تحديدًا عن التأتأة – في مجتمعنا كأفراد مختلفين عن الجماعة عن الصورة النمطية للفرد الطبيعي – إذا صح التعبير – من حيث المعاملة أو الأحكام الجاهزة التي يتم إطلاقها عليهم، وكذلك من حيث التمييز داخل المنظومة الاجتماعية نفسها. وكمثال: كثير من الأصدقاء المتأتئيين، تقدموا للخطبة، وتم رفضهم أكثر من مرة؛ بسبب التأتأة، وأحيانًا كثيرة يقال ذلك صراحةً.

مع هذه النظرة السلبية الموجودة أصلًا، ستكون نتيجة تصنيف التأتأة على أنها من أنواع الإعاقة تعزيزًا أصيلًا وعميقًا لها، وهذا هو أهم سبب من أسباب رفض المتأتئيين عالميًا لتصنيف أنفسهم من فئة ذوي الإعاقة. وبالطبع، لا يعني كلامنا هنا أن ما ذكر أعلاه يجب أن يسري على أي قطاع من أفراد المجتمع، بل من واجبنا كأفراد ومؤسسات محاربة التمييز والتصنيف بناء على المظهر الخارجي أو الإعاقة نفسية كانت أم جسدية. ولا يعني أيضًا بأن وجود إعاقة لدى أي منا هو عيب أو نقص. وتصحيح هذا الأمر يبدأ من تصحيح نظرة المجتمع ككل لماهية الإعاقة ومعناها. وحديثي هنا عن وجهة المتأتئيين الذين هم بدورهم جزء من هذا المجتمع، فبالتالي ينطبق عليهم ما ينطبق على الآخرين.

أصحاب الأعمال

مع عدم وجود قانون في السعودية – كأغلب دول العالم مع الأسف – يحمي المعاقين أو من يتم تصنيفهم كذوي احتياجات خاصة، سيجد أصحاب الأعمال والمشغلين التبريرات المناسبة لرفض توظيفهم – وهو ما حصل أيضًا مع كثير من الأصدقاء المتأتئيين – أو حتى تشغيلهم في وظائف أقل بكثير من مؤهلاتهم وقدراتهم.

والأمر لا يختلف كثيرًا في أنظمة العمل حول العالم. فنظاما العمل الأمريكي والبريطاني لا يحميان العاملين أو الموظفين من التمييز. لكن يوجد هناك قوانين تم سنها لحماية ذوي الإعاقة منه داخل نطاق العمل وخارجه – وحديثنا هنا سيكون عن العمل تحديدًا خدمة للمقالة – وتأتي هذه الحماية على كل مراحل التوظيف بدءًا من المقابلات الوظيفية وانتهاء بالترقيات.

ولنأخذ قانون المعاقين الأمريكيين (الذي صدر في عام1990). حيث يجرم هذا القانون التمييز ضد الأشخاص من ذوي الإعاقة في أي شيء مرتبط بالعمل أو المستقبل الوظيفي أو المساواة الوظيفية داخل المنظومات الحكومية أو الشركات. ولا يذكر هذا القانون أيًا من الإعاقات بالاسم؛ وذلك لرغبة الكونجرس الأمريكي – وهي الجهة التي أقرته – في توسيع نطاق القانون ليضم أشكالًا أكثر من الإعاقة، ولكنه يضع معنى عامًا لها، وأي شكل من أشكالها يجب أن يندرج تحت واحدة من هذه الفئات الثلاث:

1- الإعاقة البدنية أو العقلية التي تحد بشكل كبير من قدرة الفرد على ممارسة واحدة أو أكثر من النشاطات الحياتية الرئيسة.

2- وجود سجل لهذه الإعاقة أو الضعف.

3- اعتبار هذا الضعف إعاقة.

مع وجود مثل هذا القانون وتطبيقه بصرامة في الولايات المتحدة وغيرها من الدول كبريطانيا (قانون المساواة، ٢٠١٠م)، تم ترويض الجهل ورفع الوعي بشكل كبير، وهذا ما نحتاج إليه.

ختامًا، من اعتمد على وعي الأفراد بدون قوانين رادعة وتطبيق حازم؛ فهو في معركة خاسرة، وهنا يأتي دور القطاع الواعي من المجتمع للمطالبة بمثل هذه القوانين، ودور الحكومة الواعية لفرضها وتطبيقها. وتصنيف التأتأة كإعاقة هو في رأيي تصحيح للواقع، الذي يحاول أغلب المتأتئيين الهروب منه.

 

 

 

المصدر : ساسة بوست

عن أنوار العبدلي