عبادة العاسمي أقعدته «رصاصة» فأصبح مدرّباً لمواجهة الإعاقة

عبادة العاسمي أقعدته «رصاصة» فأصبح مدرّباً لمواجهة الإعاقة

الحرب لا تنتج إلا المآسي، حتى لو كانت عادلة بالنسبة لأحد أو بعض أطرافها. الضحايا، على الأغلب، يدفعون ثمن نار يشعلها آخرون، وقد لا يعرفوا سبب الاشتعال وأهدافه.

الحرب السورية مثال لمثل هذه الحروب التي استطالت في الزمن وألقت بالكثيرين ضحايا، إما تحت الأرض وعمق البحر ممن فقدوا حيواتهم، أو في المستشفيات ومراكز العلاج الطبيعي لمن جرحوا أو فقدوا أجزاء من أجسادهم.

«البيان» التقت أحد ضحايا الحرب السورية، وهو يعطي مثلاً لقسوة الحرب، وفي الوقت ذاته لقدرة الإنسان على تقليل آثارها وتحدي مؤثّراتها جسدياً ونفسياً.

في عمّان، كان لنا لقاء مع أحد ضحايا الحرب السورية ممن وجدوا أنفسهم في الأردن يتلقون العلاج وبرامج التأهيل. عبادة العاسمي (22 عاماً) شاب من قرية داعل بمحافظة درعا تعرّض في العام 2012 لإصابة نخاع شوكي جراء رصاصة قناص ضربت رئتيه وأصابت العمود الفقري.

لكن النسخة الأصعب من قصّته بدأت بعد الإصابة وبعد جولات من الصحو وفقدان الوعي إلى أن وجد نفسه في مستشفى ميداني بريف درعا، حيث تفتقد مثل هذه المستشفيات للكوادر الطبية والأطباء المختصين.

يقول عبادة «كنت بحاجة لطبيب أعصاب لكنّه لم يكن موجوداً. وتم تحويلي لمستشفى جميلة في ريف درعا. حاول الطبيب وقف النزيف، لكنّه وجد إصابات في إحدى الرئتين. أقصى ما استطاعوا عمله هو تركيب أنبوب لوقف النزيف».

إلى الأردن

في اليوم التالي لإصابته نقل عبادة إلى مستشفى الملك عبدالله في الأردن، حيث انتزع الأطباء رصاصة من رئته الثانية التي أصيبت بأضرار، وبعد 15 يوماً أبلغه الطبيب بإصابة النخاع الشوكي أدى لشلل كامل في ساقيه. يقول عبادة «مكثت حوالي الشهر في مستشفى الملك عبدالله وخرجت على كرسي متحرك بسبب إصابة النخاع الشوكي، ثم عدت إلى أهلي في درعا ومكثت ستة أشهر وعدت ثانية إلى الأردن، لأن منطقة درعا تفتقد لمراكز العلاج الطبيعي».

في الأردن – يقول عبادة – إنه سمع بالصدفة عن مركز تأهيل في ضاحية الرشيد في العاصمة عمّان كان يجري تأهيلاً للاجئين السوريين، فالتحق به قبل أن يغلق المركز بعد فترة وجيزة بسبب «مشكلة»، فاضطر أن يسكن في شقة مع 11 صديقاً يعانون من نفس الحالة.

لكن السكن الجديد لم يكن بالنسبة لعبادة وأصدقائه مجرد مكان إقامة، بل مكان لاستكمال العلاج والتأهّل. ويقول «الشقة الجديدة كانت نموذجاً عن المركز لكن على نحو مصغّر. واصلنا العلاج فيها إلى أن استقرت الحالة».

كانت للضرورة أحكامها في شتى مناحي الحياة، فإن للصدف حضورها ودورها أيضاً، وهذا ما حصل مع عبادة إذ يقول «تعرفت بالصدفة على ناشط سوري خبير في مجال الإعاقة. بدأ يدرّبنا أنا وستة أشخاص وفق برنامجين:

مساواة الإعاقة ودعم النظراء، وهذا الأخير يعني كيفية معالجة الأشخاص الذين يعانون من نفس الحالة». ويضيف «كانت لدينا أنشطة رياضية كل يوم أحد وأصبحنا فريقاً من 64 شخصاً من المتطوعين ضمن منطقة عمّان».

حافز الإعاقة

يوماً بعد يوم أصبحت الإعاقة حافزاً لعبادة وزملائه في تحديها والإصرار على التحوّل إلى التحدي الفردي إلى العمل المجتمعي، من التأهل إلى تأهيل الآخرين الذين يعانون نفس الأوضاع من الإعاقة.

دفعت هذه الروح عبادة وزملاءه إلى التواصل مع مركز ياباني متخصص في مجال التمكين والتأهيل من خلال تصميم برامج هدفها مساعدة المعاقين وتأهيلهم ودعمهم نفسياً ومجتمعياً. يقول عبادة «لأننا ندرك أن فاقد الشيء لا يعطيه، حرصنا على تلقي تدريبات على التعامل مع حالات الإعاقة، وهكذا يكون باستطاعتنا أن نساعد غيرنا».

تمكّن عبادة من الحصول على شهادة ليصبح أول مدرب سوري في مجال المساعدة في مواجهة الإعاقة، حيث لا يوجد إلا 270 مدرباً في هذا المجال على مستوى العالم.

في هذا السياق، يقول عبادة إنه قبل 2015 كان الجرحى السوريون معزولين عن أي نوع من الخدمات، فعلى سبيل المثال كنت أحتاج لكرسي لا أعرف من أين يمكن الحصول عليها. الأدوية لا نعرف من اين نأخذها.

لذلك عملنا على إعداد دليل معلوماتي عن المنظمات التي تقدّم خدمات للاجئين السوريين وبخاصة الجرحى، وبدأنا توزيع الدليل على الجرحى في أماكن تواجدهم.

ربط أو تنسيق

في إطار حركته بين المؤسسات التي تعنى بضحايا الأزمة السورية، لاحظ عبادة أن بعض هذه المؤسسات تقوم بالعمل نفسه وتستهدف الأشخاص أنفسهم، وكان لا بد من العمل على توزيع العمل بين هذه المؤسسات أو دمج تلك المتشابهة في تقديم الخدمات.

عن أنوار العبدلي