أخبار عاجلة
الرئيسية / الأخبار / قراءة في كتب الأطفال والإعاقة

قراءة في كتب الأطفال والإعاقة

 

 

في وقت تقل فيه قصص الأطفال التي تدور حول الإعاقة، أو تقدم بطريقة ذكية تخلو من التعظيم المطلق أو الشفقة القاسية، تقدم بعض دور النشر العربية محاولات نستطيع وصفها بالواعية، والتي تدرك تماماً كيفية تقديم الإعاقة كجزء من التنوع البشري، ولهذا التنوع بعض المزايا التي لا يستطيع المرء إدراكها إن كان يحمل في داخله بعض الشفقة أو إنكار للإعاقة.

وتعتبر دار أصالة إحدى دور النشر التي حملت على عاتقها التميز في نوعية كتب الأطفال التي تقدمها منذ نشأتها في العام ١٩٩٨ وحتى اليوم، قدمت ٥٠٠ عنوان للأطفال، تنوعت ما بين التعليمية والأدبية والتربوية والكتب المصورة، ولكن من أكثر ما يميز تلك الكتب، الكتب التي تناولت موضوع الاعاقة.

وضمن سلسة “صديقي شوشو” قدمت دار أصالة ثلاثة كتب كتبتها “هنادي دية” ورسمتها “نادين الخطيب”، حملت عناوين بسيطة تقاطعت مع بعض الحواس “أنا أتكلم، أنا أرى، أنا اسمع”، ومن العناوين قد يتبادر للذهن موضوع الحواس الخمسة، وأن تلك الكتب تعليمية، وهذا ليس حقيقياً! فالكتب الثلاثة التي جاءت كل منها في ٣٢ صفحة، تناولت اعاقتي السمع والبصر من ناحية مختلفة، إذ لم تتطرق الكتب للإعاقة إنما تناولت المعينات أو الأدوات المساعدة التي تمكن الشخص ذا الإعاقة من الاندماج في بيئته المحيطة، والتواصل مع مجتمعه، وذلك بأسلوب محبب وطريف وساخر إلى حد كبير، وهو ما يحسب لهذه الكتب الثلاثة، فالأشخاص ذوو الإعاقة يملكون روح النكتة كغير المعاقين تماماً، فلم يتم تناولهم بالشكل التقليدي لشخص يستحق الشفقة.

أنا أتكلم:

جاء هذا الكتاب ضمن رسومات بديعة، فيها من الألوان والطفولة ما يكفي ليجعل قلب أي شخص يتعلق بهذه الكتب مهما كان عمره، ولعل الصفحات الأولى لا تشي بشكل مباشر بحقيقة موضوع هذا الكتاب، فتنساق مع فكرة التعارف بين فتاة وصبي، وقد لا يلفت الانتباه أنها تستخدم لغة الإشارة، وسواء كان الأمر مقصودا أم لا، فقد استطاعت الكاتبة والرسامة صناعة طريق سهلة وسلسة تعتمد فيها لغة الإشارة لتعرف في نهاية الامر أنها لغة الإشارة التي يستخدمها الكثير من الصم حول العالم، فتتفاجأ بأن الأمر مر كمعلومة دون مفاجأة وبذكاء وسلاسة.

ومما يجعل لغة الإشارة لغة سهلة وقريبة، تلك المرونة التي استطاعت فيها الكاتبة توظيفها في عدة مواقف، إذ أن شخصية الكتاب الفتاة ذات الإعاقة السمعية، قدمت لغة الإشارة بأنها لغة تعارف، ومشاركة بالغناء والحديث عن الحيوانات، ولغة تعبير عن المشاعر تكاد توصف بأنها رومانسية عندما عبرت عن قدرتها بالحديث عن القمر والنجمات.

ثم تصل عند نقطة تصف فيها شمولية تلك اللغة، وعالميتها، وبما أن الكاتبة لبنانية وتحمل معها شخصيتها اللبنانية ذات الثقافة المتعددة من العربية والإنجليزية والفرنسية، فقد أرادت الكاتبة أن تقول بأن الشخص الأصم يستطيع أيضاً استخدام العربية والإنجليزية والفرنسية، ولكن بلغة الإشارة، وهو ما يمنح لغة الإشارة جواز مرور للتكوين الثقافي للشخصية اللبنانية بشكل خاص، والعربية بشكل عام.

وفي نهاية الكتاب قدمت الكاتبة أيضاً نقطة قوة في شخصية الفتاة ذات الإعاقة السمعية، فهي تسمح للآخرين بالتواصل معها دون استجداء، فجاءت الصورة معبرة لفتاة ذات ملامح لطيفة، مرحبة بالقارئ لتقول في النهاية وبلغة الإشارة “أنت صديقي” ولم تقل بأنها صديقتك وتسأل الصداقة، إنما قامت باختيارها بقبول صداقتك بمجرد قبولك كقارئ للغة الإشارة، وبالتالي فإن هناك ما يعزز حق الاشخاص ذوي الإعاقة في اتخاذ الأصدقاء.

أنا أرى:

تناولت هذه القصة بأسلوب ساخر كيف يرى الأشخاص ضعاف البصر العالم من حولهم دون نظارة، فأوصاف الأشياء الغريبة:

عصفور يسبح في الماء!
سمكة تطير في السماء!
فيل أم برميل؟!
عنكبوت أم حبة توت؟!

كل تلك الأوصاف الغريبة رأتها بطلة القصة ذات الإعاقة البصرية، دون استخدام نظارتها الطبية، وتصفها بتلك النبرة الساخرة من شكل الأشياء المضحكة، وكسر أحد التابلوهات الطريفة عن أن الاشخاص ذوي الإعاقة البصرية لا يدركون ماهية الأشياء أو وصفها.

ثم تأتي تلك الوسيلة المعينة التي تجعل من الإعاقة هي مسألة في الآخرين، ونظرة المجتمع لها، فبمجرد أن ارتدت تلك الصبية نظاراتها، حتى غدت قادرة على تسمية الأشياء من جديد “بطة، حمامة، فيل، حبة توت” وبنفس الروح الساخرة تسأل عن العنكبوت، والذي أخفته الرسامة بشكل ذكي على الغلاف الداخلي الذي يلي الصفحة الأخيرة، وهنا تمرر الكاتبة والرسامة بذكاء قدرة العنكبوت على الاختباء واختيار الزوايا التي تحول دون رؤيته بشكل مباشر.

من جهة أخرى فقد عززت الكاتبة بشكل ذكي أن مفهوم الإعاقة يأتي من المجتمع، وليس من الأشخاص ذوي الاعاقة، حين نمنع بعض المعينات والوسائل عن الأشخاص ذوي الاعاقة، حتى وإن لم يكن هذا المفهوم واضحاً وجلياً، إلا أنه مرره ولا شك أن الطفل أصبح محملا بهذا المفهوم الحقوقي.

أنا أسمع:

بمعزل عن الكتابين الآخرين، وكما ذكرنا في المقدمة حين تقرأ عنوان هذه الكتب تعتقد بأنها تدور حول حاسة السمع، وفي الصفحات يبدو الكتاب تقليدياً، يسمع الفتى أشياء الأصوات من حوله، ولا يظهر الفتى بأنه ذو إعاقة سمعية، إلا في الصفحة التي يظهر فيها مستمعاً إلى حكاية أمه، وهو يرتدي السماعة الطبية، وقد لا يلحظها القارئ، كما قد لا يلحظها المرء في الحياة أيضاً حين يستخدمها الاشخاص ذوو الإعاقة السمعية.

ويظهر الامر جلياً إذن في الجزء قبل الأخير، ويظهر كميزة إيجابية

“توتي توتي خلصت الحدودتة”

في النهاية أخلع السماعة من أذني

كم يبدو الأمر ممتعاً حين تتواطئ الرسامة والكاتبة بجعل الإعاقة السمعية ذات جوانب إيجابية، فيظهر الصبي سعيداً بانتهاء حكاية اليوم كأنه اكتفى منها، لتستطرد الكاتبة بأهمية أن ينام الصبي دون أن يسمع شخير والده، وتكمل الرسامة بدورها الأمر فتظهر الأم منزعجة من شخير الأب، وتكاد تحسد ولدها على إعاقته السمعية.

بأسلوب ساخر وممتع تنتهي الحكاية وقد مرت مفاهيم الإعاقة السمعية، والسماعة بشكل سهل ومحبب.

هذه الكتب الثلاثة لم تتحدث عن الإعاقة بشكل مباشر، حتى أنها لم تذكر كلمة إعاقة من الأساس، وتم التركيز على بعض الأدوات التي قد تقدم الإعاقة للأطفال غير المعاقين، وأهمية استخدامها والتعامل معها، لا بل أنه كتاب موجه للأشخاص ذوي الإعاقة أيضاً، ليسهل عليهم تقبل تلك الأدوات واستخدامها في مجتمعهم المحيط.

استطيع القول إن أردنا عمل مكتبة للأطفال، أو مكتبة توعوية حول الإعاقة، فهذه القصص الثلاث لا بد أن تكون ركناً هاماً فيها، وأوصي بها لمن يعملون او ينشطون في قراءة القصص للأطفال، فقد تناولت الإعاقة كجزء من التنوع البشري.

 

 

المصدر موقع / المنال بقلم محمد النابلسي

عن أنوار العبدلي