أخبار عاجلة
الرئيسية / الأخبار / بالفيديو والصور- من مُتحدي الإعاقة للمواطنين.. ”الشارع لنا”

بالفيديو والصور- من مُتحدي الإعاقة للمواطنين.. ”الشارع لنا”

 

 

ارتكزت يداحمادة محمود على عجل الكرسي المتحرك، جمع شتات عقله، أوشك العرض على البدء، التقط بعض المتفرجين صورا بالهواتف، واكتفى آخرون بالتعجب مما يرونه؛ عدة شباب يتحركون بسلاسة في شارع الشواربي بوسط المدينة، بعضهم مُصاب بإعاقة جسدية، آخر بمتلازمة داون، وفيما تلصصت أعين المارة، نفّذ العارضون ما تعلموه على مدار أسبوعين، لا تعنيهم نظرات الشفقة أو السخرية، فقط الانطلاق مؤقتا داخل حكاية الرقصة، قبل العودة لأرض الواقع.

ضمن فاعليات مهرجان “دي كاف” قُدمت أمس 3 عروض للرقص المعاصر، بأداء مشترك بين متحدي إعاقة وأسوياء. منذ عام 2015 يسعى المهرجان لتسليط الضوء على دورذوي الاحتياجات الخاصة في الفن وإشراكهم في التعبير عن أنفسهم لتغيير المفاهيم الخاطئة والسلبية حولهم.

1

في عام 2003 كان محمود ما زال في الخدمة كأمين شرطة “حصلت حادثة سببتلي شلل في النصف الأسفل”. اسودّت الدنيا في وجه ابن سوهاج ذو الـ33 عاما، ظن أن الموت اقترب “بس مع الوقت أدركت إن الموت هييجي لو سبت نفسي للزعل والضيق”. قرر النزول للحياة، مارس رياضة السباحة”وأخدت تاني جمهورية مع جامعة القاهرة السنة اللي فاتت”.

تبدو كلمة الرقص ضخمة في ذهن ابن الصعيد “متخيلتش إني أنزل الشارع أعمل عرض أبدا”، لكنه حضر العام الماضي المهرجان وشاهد العروض، فلمعت الفكرة في ذهنه، رشّحته مؤسسة الحسن التي تأسست عام 2011 لدعم مُتحدي الإعاقة، التحق بالتدريب لمدة أسبوعين في مطلع مارس “كنت عارف إني هخاف.. لما طلعت على المسرح محستش بحاجة”.

2

“مكعبات” هو العرض الذي شارك فيه أمين الشرطة سابقا، والذي يحكي عن العوائق التي تقابل ذوي الاحتياجات الخاصة، ويأتي مع عرضين آخرين هما “زقزقة عصافير” و”مربع البداية”، إذ شاركت منة الله محمد في الأخير للمرة الأولى ذلك العام.

في البداية اعترت الرهبة الشابة من النزول للشارع “في العرض بتاعي انا بس اللي على كرسي فحاسة إن كل النظرات ناحيتي”، خاضت تدريبات الرقص في استديوهات عماد الدين “عشان كنت عايزة أجرب حاجة جديدة”، ظنّت أن تقديم عرض راقص بُصحبة أشخاص ليسوا أصحاب إعاقة سيُعقّد الأمر “بس بالعكس اتبسطت جدا من حالة الدمج.. حسيت إنهم بيساعدوني أخرّج الطاقة وانا كمان بساعدهم”.

3

تُعاني الفتاة شلل الأطفال منذ 28 عاما، غير أنها لم تقتنع يوما باختلافها “وانا عندي 12 سنة كنت بدور على نادي ألعب فيه رياضة”، سمعت تعليقات سخيفة عن حالتها الجسدية، غير أنها استطاعت الاشتراك في رفع الأثقال.

من الثاثة عصرا وحتى التاسعة مساءً استمر التدريب على الرقص، ومع مجيء اليوم الموعود سرت الرجفة في جسد المؤدية “كنا في مقعد السلطان قايتباي يوم الجمعة ودي كانت أول يوم عرض.. هي منطقة شعبية وناس كتير بتشوفنا”، استجمعت منة الله قواها، أنصتت لكلمات مُدربتها الأيرلندية “قالتلي أنا عمري ما شفت حد عنده إرادة زيك.. انا هرشّحك تسافري لندن لعروض مشابهة”، طار قلب الشابة من الفرحة، دلفت العرض وفي قلبها يقين أن الإعاقة لن تكسرها، وما أن انتهى العرض حتى لاقى ما قدمته استحسان الموجودين.

4

في وسط البلد اتسعت حلقة متابعي عروض مُتحدي الإعاقة. شيئا فشيئا خرج أصحاب المحلات بدافع الفضول، أطل سكان العمارات من الشرفات، وقف البعض متسائلا عن فحوى ما يحدث “دة رقص معاصر.. حركات بنوصّل منها رسايل للناس”، قالها شاب لأحد المارة، بينما قرر آخرون الاقتراب والتشجيع عن قرب؛ اختلفت هيئاتهم، بين سيدات مُسنّات، طفل يعمل في شارع الشواربي، أم بصُحبة ابنتها، تتقلب تعبيراتهم بين عدم الفهم، والبهجة حينما ترقص أجساد العارضين، ثم يعلو تصفيقهم مع انتهاء العروض التي لا يزيد زمن الواحد منها عن 15 دقيقة.

5

بين العارضين تطاير فستان روان هشام الأزرق، ابتسمت بخجل حينما يتمايل جسدها بالتوازي مع الموسيقى، ومن الكواليس شاهدتها والدتها بفخر “تعبنا خلال الـ3 أسابيع دول جدا”. لم تقتنع الفتاة ذات الـ16 عاما بالمشاركة في العروض “انا معلماها إنه ممنوع الرقص في أي حتة.. فهي مكنتش فاهمة إزاي أقولها تعالي اتعلمي؟”، لم تتفاعل الابنة المصابة بمتلازمة داون في البداية “كنّا نروّح البيت تقولي إيه الهبل ده؟”، لكن مع الوقت اندمجت مع الآخرين “بقيت أسمعها تدخل الأوضة وتتدرب وتكلم نفسها.. ساعتها اتأكدت إنها مبسوطة باللي
بتعمله”.

على مقربة من والدة روان، وقف كامل رجب، المخرج المساعد لعرض “زقزقة العصافير” الذي يضم الفتاة وآخرين. توتر بدا على وجه رجب، تغلب عليه بالتفاعل مع الراقصين تارة، وبالعبث في لحيته أخرى، وبمجرد انتهاء العرض حتى احتضنهم جميعا “الناس دي عندها براءة رهيبة وقدرات مش عندنا”. واجه الشاب تحديات خلال تدريبهم “إني أحافظ على علاقة كويسة بيهم وفي نفس الوقت يبقى في سيطرة عشان الشغل يطلع كويس” يحكي رجب بينما يركض أحمد-أحد المشاركين- تجاهه، سائلا إياه بأسى إن كان ذلك العرض هو الأخير، فيرد عليه بالإيجاب.

6

عقب انتهاء “زقزقة العصافير” خرج محمود مجدي كالمنتصر في معركة كُبرى. تلقّى الثناء على العرض بسعادة بالغة، متذكرا كيف قاده المرض لذلك اليوم “عملت حادثة من 10 سنين وفضلت مكتئب في البيت 3 سنين مبخرجش”، أرغمه العلاج الطبيعي على الذهاب للمستشفى “هناك شفت ناس أسوأ مني كتير وعايشين حياتهم فحسيت إني ممكن أعمل حاجة”، من وقتها خاض الشاب كل ما صادفه من نشاطات.

7

“انا نفسي ذوي الاحتياجات الخاصة اللي يشوفونا يكسروا الخوف ويتحركوا.. نفسي نقولهم إنهم لسة عايشين”، قلب الرقص حياة مجدي، صار أشجع في مواجهة المحيطين، التحق بكلية التجارة في الجامعة المفتوحة، أصبح الخروج للشارع أمرا يسيرا “هيبقى أصعب من الرقص يعني؟”، لا يعبأ بنظرات الشفقة التي يلحظها، ولا بالذين يتعجبون من خوضه العروض الحركية، رفع سقف حلمه ملتحقا بمدرسة رقص معاصر، عزم الاستمرار فيها، هكذا يضمن قُربه من الخفة طوال العام.

 

 

المصدر موقع / مصراوي

عن أنوار العبدلي