أخبار عاجلة
الرئيسية / آفاق نفسية / العمليات العقلية لدى «الأطفال الصم»

العمليات العقلية لدى «الأطفال الصم»

 

 

رغم ما يعاني منه الأطفال الصم من مشكلات وصعوبات في التواصل مع الآخرين، والتكيف مع المجتمع الذي يعيشون فيه… إلا أنه لابد من النظرة الموضوعية لكل ما يتمتعون به من خصائص ذهنية، وعمليات عقلية… من خلال التقرير التالي:

أ- الذكاء:

وقد أشارت الدراسات التى أجريت عن الذكاء IQ لدى الصم أنهم متأخرون فى مستوى الذكاء بثلاث إلى أربع سنوات مقارنة بأقرانهم العاديين. بينما نجد أن الذكاء يلعب دوراً فعالاً في قدرة الإنسان علي التكيف مع إعاقته، فكلما كان أكثر ذكاء زادت قدرته علي التوافق والتكيف بعكس محدود الذكاء من ذوي الإعاقات، فتصبح لديهم الحياة أكثر تعقيداً ويزداد شعورهم باليأس وانعدام الثقة.

ومن ناحية أخري، ينحاز آخرون إلي الأصم موضحاً أن الإصابة بالصمم لا تؤثر علي الجانب العقلي لدي الطفل، إذ إنه لا توجد فروق جوهرية بين الطفل عادى السمع والطفل الأصم في القدرات العقلية، وتؤكد اختبارات الذكاء أن معظم الأطفال الصم لديهم قدرات عقلية تفوق الأطفال عادي السمع. ويفند ذلك الرأي من حيث أن الصم لديهم جوهرياً نفس التوزيع العام في الذكاء مثل الأطفال السامعين، كما أنه لا توجد علاقة مباشرة بين الفقدان السمعي والذكاء، خاصة وأن الإصابة بالإعاقة السمعية لا تتضمن بالضرورة التخلف العقلي، ولذلك قد نجد أن ثنائية فقدان السمع والغباء ما هي إلا منطق مبتور قائم علي التفكير الخاطيء بأن الإعاقة في الكلام يعني إعاقة في القدرات المعرفية، أو أن الأخطاء في كتابة الأطفال الصم تنعكس علي ذكائهم تبعاً لذلك، وهناك رأي آخر يري عدم وجود علاقة في القدرة علي التفكير المجرد في علاقة اللغة بالعمليات الفكرية بين الأطفال الصم والسامعين.

ب- التحصيل الدراسى: Education Quotient

 كما أشارت الدراسات التى أجريت عن التحصيل الدراسى أو النسبة التعليمية أن الأطفال المعاقين سمعيا كانوا متخلفين بمقدار يتراوح ما بين ثلاثة إلى خمسة أعوام، وأن هذا التخلف كان يزداد مع تقدم العمر الأمر الذى يشير إلى أن الأطفال المعاقين سمعيا الأكبر سنا كانوا أكثر تخلفا فى التحصيل الدراسى – من خلال قياس النسبة التعليمية لديهم -من أقرانهم المعاقين سمعيا الأقل سنا..

 وقد تم إجراء دراسة مسحية فى مدارس المعاقين سمعيا أوضحت أن العمر الزمنى لهؤلاء الأطفال والذين هم فى سن الثانية عشرة يساوى 71%، وأن من هم فى سن الخامسة عشرة منهم وصلت النسبة التعليمية لديهم إلى 67%، وقد ظهر التخلف فى الدراسة لديهم من خلال : فهم معانى الفقرات والكلمات والعمليات الحسابية والهجاء. ومن ناحية أخرى ربطت الدراسات بين التحصيل الدراسى وبعض المتغيرات كالذكاء، ودرجة الإصابة بالإعاقة السمعية، وزمن الإصابة، وعدد السنوات التى قضاها التلميذ بمعاهد الصم. وأفادت الدراسات أن الأطفال المعاقين سمعيا الذين يتلقون تعليمهم يوميا فى معاهد الصم – من ذوى الإقامة الخارجية – كانوا أكثر تحصيلا من زملائهم من ذوى الإقامة الداخلية. وأيضا فى هذا المجال يتأثر بعمر الطفل عند حدوث الإعاقة السمعية فكلما زاد السن الذي حدث فيه الصمم كانت التجارب السابقة في محيط اللغة ذات فائدة كبيرة في العملية التعليمية وقد بينت البحوث أن السن الحرجة والخطيرة عند الإصابة بالصمم هي ما يقع بين السنة الرابعة والسادسة وهي الفترة التي تنمو فيها اللغة وقواعدها الأساسية..

 لهذا فكل من الأطفال المولودين بالصمم أو من فقدوا سمعهم فيما بين 4-6 أعوام غالباً يعانون تخلفاً في التحصيل الدراسي في المستقبل لو قورنوا بمن أصيبوا بالصمم في سن متأخرة عن ذلك، وبينت دراسات أخرى أن الأصم يتأخر في النشاط العقلي بمقدار سنتين وخمس سنوات دراسية عن زميله العادي إلا أن هذا الفرق يتضاءل قليلاً بالنسبة لمن أصيبوا بالصم بعد ست سنوات مما يتعذر معه أن يحصل الأصم على نفس المقدار العلمي الذي يحصل عليه التلميذ العادى .

جـ- الذاكرة:

ولقد أثبتت الدراسات أن هناك أثرا للحرمان الحسي والسمعي على التذكر ففي بعض أبعاده يفوق المعوقون سمعياً زملاءهم العاديين وفي بعضها الآخر يقلون عنهم فمثلاً تذكر الشكل أو التصميم وتذكر الحركة يفوق فيه الصم زملائهم العاديين بينما يفوق العاديين زملائهم الصم في تذكر المتتاليات العددية. كما أن الصم يتفوقون علي عادي السمع في بعض جوانب التذكر، كتذكر الشكل.

د- مفهوم الزمن لدى الصم :

استرعى مفهوم الزمن لدى الصم اهتماما كبيرا نظرا للملحوظات المتكررة بوجود صعوبات فى فهم والتعرف على الموضوعات التى تتعلق بالنشأة والتطور، ولذلك فقد استنبط البعض أن قصور اللغة يؤدى إلى إحداث تأثير سلبى على مفهوم الزمن لدى الصم.

هـ- اكتساب المفاهيم:

أشارت الدراسات إلى أن الصم يكتسبون المفاهيم بنفس درجة التسلسل التى لدى العاديين إلا إن اكتساب الصم للمفاهيم المختلفة يتم فى أعمار زمنية اكبر من العاديين، كما إنهم يعانون من صعوبات فى اكتساب المفاهيم المتناقضة والمفاهيم المتشابهة ودمج بعض المفاهيم مع بعضها البعض. ويتضح: أن فقدان السمع بما يمثله من تعطيل للجهاز السمعي، يمثل تعطيلاً لجزء من الكل مما قد يؤثر بدورة علي القدرات العقلية لدي الطفل الأصم بعملياتها المختلفة، وقد يؤدي هذا إلي اضطراب تلك القدرات، وأن يصبح نموها غير كامل وغير ناضج، كمرجعية لقصور الإدراك اللحظي البيئي المكتسب من خلال التفاعلات اليومية والمواقف الحياتية المعاشة، ولذلك قد يوصف الصم بسمة المهارة في الحرفة والعقلية ذات الذكاء الحاد.

علاقة الإعاقة السمعية بالنمو الانفعالي للأصم:

يعيش الطفل الأصم في قلق واضطراب انفعالي بسبب وجوده في عالم صامت خال من الأصوات واللغة، كما أنه معزول عن الرابطة التي تربطه بالعالم الخارجي، وهو في ذلك محروم من معاني الأصوات التي ترمز للحنان والعطف والتقدير، مما يعمق مشاعر النقص والعجز لديه، ولذلك يؤكد” جريجوري”Gregory أنه يميل إلي العزلة والهروب من تحمل المسئولية، ومن ثم يتسم الطفل الأصم بالاضطراب النفسي والانفعالي كمرجع للانطوائية.

ومن ثم يتم الإشارة إلي جانب آخر وهو عدم شعور الطفل الأصم خلال مرحلة الطفولة بالحنان أو عطف الأمومة، ومرجع ذلك إلي أنه لا يسمع صوت أمه بنغمات أثناء عنايتها به، ولذلك فإن هؤلاء الأطفال يعانون من الإحباط بسبب فقدهم لوسيلة الاتصال المتمثلة في اللغة نتيجة عدم فهم الآخرين لهم. كما أن إحجام الطفل الأصم عن التعبير عن مشاعره بصدق وأمانة في المواقف المختلفة ومع الأشخاص المختلفين من الأسباب الرئيسية لتعرضه للقلق والصراع والأضطرابات النفسية…

 كما أن قمع التعبير عن المشاعر يعمل علي زيادة النزعات العصبية، ويؤدي بالأصم إلي الشعور بالنقص وخيبة الأمل وعدم الشعور، ولذلك فإن لديه عدم اتزان عاطفي بدرجة كبيرة إذا ما قورن بعادي السمع، كما أن الأصم أكثر انطواء وعزلة وأقل حباً للسيطرة والإسراف في أحلام اليقظة، ويتسم ببعض الصلابة والانقباض بالإضافة لذلك: يتسم الصم في التشكك وأساس ذلك أنهم يرون الآخرين متخاطبين يتكلمون بما لا يسمع الصم، فيظنون أن في الأمر سوء لهم وقد تبدو منهم استجابات عدوانية وفقاً لما يقدرونه من تشكك فيها .ولهذا يميلون للإشباع المباشر لحاجاتهم بمعني أن مطالبهم يجب أن تلبي بسرعة أي سريعة الإشباع.

 

ويتسم الصم فى هذا المجال بكونهم:

– يتجاهلو مشاعر الآخرين فى معظم الأحيان.

– المبالغة والتشوش فى مفهوم الذات لديهم .

– يعانوا من سوء توافق شخصي واجتماعي.

– الرغبة فى الإشباع المباشر لحاجاتهم .

– يتسمون فى الغالب بالاندفاعية والحركة الزائدة وعدم القدرة على ضبط النفس .

– يعانون من عدم الاستقرار الانفعالي.

– تسيطر عليهم مشاعر الاكتئاب والقلق بدرجة مرتفعة.

– يتسمون بدرجة مرتفعة من السلبية والجمود وتقلب المزاج.

 

 ومما سبق يتضح أن الفقدان السمعي للأطفال الصم قد لا يؤدي إلي عدم التوافق وعدم التكيف انفعالياً مع ذواتهم فتفسيراتهم لنظرات الآخرين من العاديين تحمل أبعاداً غير مألوفة ، فهي إما عالية جداً أي مبالغ فيها من الايجابية أو منخفضة جداً نتيجة للانطواء والاكتئاب المتولد من عدم نجاحهم في فهم الآخرين بسهولة ، وبالتالي يتقهقر نموهم الانفعالي عن المعتاد وبحيث إنه في مرحلتهم العمرية تلك لا يناسب سمات الشخصية التي لدي أقرانهم عادي السمع ، من حيث توقف هذا النمو الانفعالي عند مرحلة معينة ، أي تثبيته وذلك تبعاً لنظرية التحليل النفسي ، ومن ثم يتقوقع الطفل حول ذاته وتزداد مساحة الاكتئاب والعزلة لديه.

 

علاقة الإعاقة السمعية بالنمو الاجتماعي للأصم:

يميل الطفل الأصم إلي الانسحاب من المجتمع لذلك فهو غير ناضج اجتماعياً بدرجة كافية، وذلك بسبب عاهته الحسية، بالإضافة لوجود مشكلات سلوكية لدية كالعدوان والسرقة والرغبة في التنكيل والكيد للآخرين… كما أن التكيف الاجتماعي لدية غير واضح المعالم ومن ثم فإن الطفل الأصم يميل إلي البعد عن الأشخاص عادى السمع نتيجة لفقده الحس الاجتماعي الذي يقربه لهم، إلا أن الصم دون غيرهم من فئات الإعاقة يتميزون بالاختلاط اجتماعياً بأقرانهم الصم، لأنهم يعتبرون أنفسهم جماعه فرعية من المجتمع، مما يجعلهم جماعة متماسكة.

ويبين ” بيترسون ” Peterson أن الطفل الأصم في المدارس المشتركة للصم وعادي السمع معاً يميل إلي أن يلعب مع زميله الأصم. ولذا يشير هالموس ” Halmos إلي أن انطلاق الأصم نحو إشباع رغباته وحاجاته دون الالتزام بالمعيار الاجتماعية يؤدي إلي عدم الرضا الاجتماعي عنه وهو ما يصيبه بالإحباط والتوتر. ومن ثم فإن الصم يستحيل عليهم فهم لغة الدعابة أو النكتة، وأنهم لكي يفهموا مضمون ومغزي الظواهر الطبيعية والقيم والعادات والتقاليد لابد لهم من إدراك ذهني كاف. والأطفال الصم يعانون من الوحدة Loneliness وتنتابهم لذلك مشاعر العزلة التي يعيشون فيها، وبالتالي تحد الإعاقة السمعية لديهم من الوظائف الاجتماعية.

 

ولذا يتسم الصم فى المجال الاجتماعي بكونهم:

– يعانون من قصور بدرجة كبيرة فى المهارات الاجتماعية.

– أقل توافقا اجتماعيا من العاديين.

– أقل إلماما ومعرفة بقواعد السلوك المناسب.

– أكثر ميلا للعزلة مقارنة بالعاديين.

– يتفوقون عند تفاعلهم مع أقرانهم الصم مقارنة بتفاعلهم مع العاديين أو حتى بتفاعل العاديين مع بعضهم البعض.

– أقل تحملا للمسئولية.

– يعتمدون على الآخرين مع عدم النضج الاجتماعي.

– يلجأون إلى التلامس الجسدي للفت الانتباه إليهم.

– فى معظم الأحيان يسيئون فهم العاديين.

– ينتشر لديهم السلوك العدوانى والسلوك الانسحابى.

كما أن التعبير عن النفس والتلقي عن الآخرين، بل إن استمرار هذا التلقي لدي الصم لا يتم إلا من خلال عملية التغذية الرجعية، وعملية الاتصال هذه هي محور عملية التفاعل الاجتماعي .

ويتضح: أن الطفل الأصم لديه قصور اجتماعي نتيجة عدم المشاركة مع الآخرين بفاعلية.

 

 

المصدر موقع / بوابة فيتو

عن أنوار العبدلي