أخبار عاجلة
الرئيسية / الأخبار / رسم بحاسة الشم في الأردن

رسم بحاسة الشم في الأردن

 

 

سنابل الأمل / متابعات

أولى الفنّان التشكيلي الأردني سهيل بقاعين اهتماماً خاصاً بالأطفال المكفوفين. افتتح مرسماً، وبدأ تعليم الأطفال الرسم. أما هم، فقد وجدوا ما كان ينقصهم، وباتوا يرون العالم بالألوان.

دخلت فريال (12 عاماً) ببطء إلى المرسم. هو يومها الأول بين الألوان الكثيرة، هي التي تعيش في عالم يغلّفه لون واحد هو الأسود. فور دخولها، تقول: “أحبّ الرسم كثيراً. الرسم جميل ويجعلني أتخيّل الأشياء”. فريال كفيفة. رغم ذلك، تمكّنت بعد دقائق قليلة من تمييز الألوان، معتمدة على حاسة الشمّ. فالأخضر برائحة النعناع والأصفر برائحة الليمون والأحمر برائحة الفراولة، وهكذا.

تشمّ اللّون وتقول اسمه بحماسة كبيرة. كانت السعادة بادية على ملامحها، وتزيدها إصراراً على خوض هذه المغامرة، وإن كانت لا ترى. بعدما اكتشفت فريال عالم الألوان وكيفيّة تمييزها، حملت لوحه نافرة (بارزة)، وراحت تتحسّسها لتكتشف الشكل المرسوم عليها. هي برتقالة إذاً وسترسمها في يومها الأوّل.

تعليم الرسم للمكفوفين مغامرة يخوضها الفنّان التشكيلي الأردني سهيل بقاعين منذ عام 2012، حين تطوّع لتعليم الرسم للأطفال المكفوفين في مدرسة الأكاديمية الملكية للمكفوفين في العاصمة الأردنية عمّان. بقاعين يعرب عن إيمانه العميق بحق المكفوفين بالرسم. والأمر بالنسبة إليه يتجاوز المنتج الفني ليشكّل فعل مقاومة يرتبط بشكل أساسي برسالة الفنان. يضيف: “للفنان رسالة في هذه الحياة وهي مساعدة الآخرين”. يضيف: “الرسم يكسر خوفهم من الظلمة، فالألوان تحوّل الظلمة التي يعيشون فيها إلى قوس قزح”.

دائماً تكون البدايات صعبة. أنشأ مرسم “عبق اللون” في المدرسة التابعة لـوزارة التربية والتعليم . كان هناك تحديات عدة، منها عدم قدرة الأطفال المكفوفين على التعرّف على الألوان، وتخيل الأشكال. فالخيال هو “مركز الإبداع”. في البداية، أضاف نكهات على الألوان التقليدية ليتمكن التلاميذ من تمييزها عن طريق حاسة الشم، واستطاع تأمين لوحات بارزة ومجسّمات لتدريبهم على التخيّل بواسطة حاسة اللّمس. لاحقاً، وبعدما أمّنت له جهات رسمية مخصّصات مالية، تمكن من توفير جميع الأدوات الخاصة بالرسم للمكفوفين، على غرار الألوان ذات الرائحة، واللوحات النافرة “البارزة”، والمجسمات، وجهاز قارئ اللون، ليتحول المرسم إلى ورشة تتوفّر فيها كل المستلزمات.

وفي وقت كانت فريال تجتهد لإتقان خطوتها الأولى، كانت زميلاتها وزملاؤها يرسمون بحرفيّة عالية، في محاولة لصقل موهبتهم، وقد مضى على وجود بعضهم في المرسم سنوات. بدأت أسيل (11 عاماً) رسم لوحة جديدة. الرسم يعني لها الكثير، وتطمح لأن تصير مشهورة. هذه الفتاة التي لم تفقد بصرها تماماً، تجتهد للتعرّف على الألوان والتعامل مع المساحات على اللوحة.

منذ ثلاث سنوات، تواظب أسيل على التردّد على المرسم. وقبل ذلك أيضاً، كانت ترسم. تؤكّد أنّ المرسم ساهم في تنمية مهاراتها بشكل أفضل. هي معجبة بأعمال ليوناردو دا فينشي، وترى أن لوحته الموناليزا أفضل عمل فني في التاريخ. وإذ تشير إلى أنّه يفترض بالرسّام أن يكون قادراً على رسم كلّ شيء، تقول إنّها تفضّل رسم المناظر الطبيعية والورود وكل ما يبعث على التفاؤل.

على مقربة منها، كانت لانا (12 عاماً) تضع لمساتها الأخيرة على لوحتها، وتحكي عن تعلّقها بالرسم. تقول إنّ “الرسم متنفسي وحياتي”. بالنسبة إليها، الرسم ليس مجرد طموح أو هواية، بل تحدٍّ تريد أن تثبت من خلاله أنّه ليس هناك أي مستحيل. تضيف: “حتّى يكون الإنسان رسّاماً، يجب أن يتمتّع بخيال يستطيع ترجمته على اللوحة”.

أمّا طارق (13 عاماً)، فيقول إنّه لا يطمح لأن يكون رسّاماً في المستقبل، رغم موهبته التي جعلت زملاء يلقّبونه بـ “الفنان”. يحلم بمتابعة دراسته الجامعيّة والتخصّص بمجالٍ بعيد عن الفنون، على أن يحافظ على الرسم كهواية. طارق، وهو كفيف بشكل كلي، كان أول الملتحقين بالمرسم بعد افتتاحه. يرى أنّ الرسم وسيلة لتفريغ ما في داخله من طاقة ومشاعر، ويكشف عن إعجابه بأعمال الفنانة فخر النساء زيد.

تحدّد مواعيد الحصص بما لا يتعارض مع دروس التلاميذ. وعادة ما يحثّهم بقاعين على حرية الاختيار. وإذا ما سألوه، يردّد دائماً: “أنت صاحب الاختيار”. كذلك، يشجعهم قائلاً: “لكل فنان أسلوبه في التعبير عن نفسه”.

وعادة ما لا يبقي لوحاتهم حبيسة المرسم، فقد نظّم العديد من المعارض، مثل معرض “قارئ اللون” و “عبق اللون” و”ظلال”، ليعلن لعشاق الفن عن موهبة تلاميذه، ويتوقع للعديد منهم مستقبلاً باهراً، هو الذي يصرّ على وصفهم بالفنانين.

 

 

 

عن أنوار العبدلي