أخبار عاجلة
الرئيسية / الواجهة / حقيبة عمل رمز العطاء والأمل

حقيبة عمل رمز العطاء والأمل

 
10425533_702201446505128_368635777_n (1)


تلك الحقيبة أصبحت رمزا وشاهدا على نشاط وحيوية أيمن الخطيب في عمله … انتظم أيمن بالعمل ضمن صفوف عمال شركة سوفت للورق الصحي من عام 1985-2000 هو وآخر من زملائه من متلازمة داون مجدي المومني .. حيث تم ترشيحهما من قبل المؤسسة السويدية للإغاثة الفردية حيث كانا ينتظمان ضمن صفوفها سعيا منها إلى تحقيق برامجها في تأهيل وتشغيل المتدربين لديها للوصول إلى درجة من الاستقلالية
.

تلك الحقيبة تحتوي على بطاقة تعريفية لأيمن بخط الوالد – رحمه الله – مكتوب فيها اسم أيمن الكامل وعنوان المنزل والمصنع ورقم هاتف المنزل و المصنع 

تلك الحقيبة التي كان يحملها أيمن يوميا مرتديا إياها على كتفه … يحتفظ فيها بمحفظته وأغراضه الشخصية وزي العمل ( مريول )  وزوادته من طعامه والتي هي عادة ما كان ( علبة لبن ورغيف خبز مع حبات من البندورة ونوع من الفاكهة وعلبة عصير ) .. ويغير طبعا وجبته بما يراه مناسبا وكان يحضر زوادته ليلا بنفسه ويضعها بكيس خاص في الثلاجة وفي الصباح الباكر يتناول كيسه ويضعه في حقيبته الشخصية … تلك الحقيبة التي رافقت أيمن طوال سنوات عمله والتي ما زال يحتفظ بها في خزانته

10432217_702200749838531_1135208612_n

أيمن ذلك الشاب اليافع ذو الثالثة والعشرين من عمره آنذاك يستيقظ مبكرا السادسة صباحا .. يجهز نفسه يرتدي ملابسه ويحمل حقيبته متوجها إلى مقر عمله بمفرده بالمواصلات العامة إلى مكان التجمع أمام فندق صلاح الدين , حيث يلتقي مع رفاق العمل ينتظرون الحافلة لتقلهم إلى مقر الشركة في صويلح

يبدأ يومه في المصنع الساعة الثامنة صباحا بالتوقيع على سجل حضور العمال .. يكتب اسمه … ويوقع حضوره .. ثم يتوجه إلى قسم الإنتاج .. حيث يستقبله زملاء لهم بالعمل

وقبل ذلك يمر على قسم الاستقبال … وأحيانا الإدارة ليلقي تحية الصباح على الموظفين حيث كان اجتماعيا وما زال … يجب أن يطمئن على رفاقه .. يسأل عنهم ويسألون عنه … ثم يستأذنهم متوجها لقسم الإنتاج .. حيث يبدأ العمل بهمة ونشاط

يمسك الختم الخاص بطباعة تسعيرة المنتج ويختمه في المكان المناسب المعد لذلك على علبة المحارم …ثم يضع المنتج في الكرتونة المعدة لذلك وهكذا —-يختم ويرتب ويضع العلب المختومة بكرتونة كبيرة بجانبه يرتبها بطريقة معينة إلى أن تمتلئ .. يختم ويرتب– إلى أن تمتلئ الكرتونة يتناولها زميل آخر في العمل .. يغلفها حسب الأصول المتبعة بلاصق معين ويضعها في مكان آخر حيث تكون جاهزة للتوريد للسوق المحلي أو السوق الخارجي … وهكذا دواليك .(
أيمن كان يتقن عمله .. يحسن طباعة السعر يضعه في المكان المخصص لذلك … يختم بكل مهنية …ينتظر قليلا إلى أن يجف الحبر .. وعندما يتأكد من ذلك بنظرته الثاقبة يضع الباكيت في الكرتونة بجانبه

يشعر بسعادة غامرة عندما يرى وقد امتلأت الكرتونة ويستلمها زميله الذي يغلفها بلاصق معين ضمن مهنية خاصة تدرّب عليها ذلك الموظف كما تدرب أيمن على طبيعة عمله ..قد يبدو عمل أيمن سهلاً لكنه يحتاج إلى تقنية خاصة وإلى تركيز من نوع خاص


اعتاد أيمن أن يرتدي زي العمل كغيره من العمال .. وحتى لا تتسخ ملابسه من حبر الختم … وعند الاستراحة يغسل أيمن يديه جيدا قبل أن يتناول طعامه .. ثم يكمل عمله إلى نهاية الدوام الذي عادة يكون الساعة الثانية ظهرا .. يستقل الحافلة لتوصله من حيث أخذته … أمام فندق صلاح الدين … ثم يستقل المواصلات عائدا إلى البيت .. وهكذا دواليك .. يوميا صباحا ومساء

يصل البيت الساعة الثالثة تقريبا حيث يستبدل ملابسه ويعلقها بنفسه .. ويغسّل .. وقبل أن يضع حقيبته في مكانها في خزانته … يفرغها وينظفها ويعيد ما فيها مرة ثانية .. استعدادا لصباح يوم جديد … وهكذا

قد يبدو الأمر اعتياديا لكنه ما كان ليكون لولا شعور أيمن بالسعادة وهو يستقلّ بذاته في خدمة نفسه أولا وفي تقديم إنجاز لوطنه ثانيا طوال خمسة عشر عاما من عمره ..

ينطبق على أيمن ما ينطبق على بقية زملائه من عمال المصنع من قانون العمل والعمال .. من حيث الحضور والغياب والمغادرة والإجازات المرضية والعرضية والحوافز والزيادات حتى إنه خضع لقانون الضمان الاجتماعي

وكان هو وزميله من أوائل أفراد  متلازمة داون اللذان اشتركا بقانون الضمان الاجتماعي وقد كان للمؤسسة السويدية دورها الكبير في تحقيق ومتابعة هذا الإنجاز … وأيمن له رقم ضمان اجتماعي وقد كان يتقاضى مبلغا ماليا وقدره سبعين دينارا … ووصل بعد الإضافات والعلاوات إلى تسعين دينارا … لم يعمل من أجل المادة .. ولكن من أجل أن يحقق ذاته من خلال العمل وحتى يشعر بأنه إنسان له حق في العمل الذي كفله له القانون .

شعر أيمن بكينونته وذاتيته … وبثقته بنفسه .. تعرف أيمن خلال عمله على أصدقاء شاركهم وشاركوه مناسباتهم .. استطاع أيمن أن يحقق ذاته ويكسب احترام وتقدير الآخرين له … كانت له شعبية – وما زالت- حظي باحترام الكبير في المصنع قبل الصغير مع الاحترام للجميع

أيمن كان يروّج بطريقته الخاصة لمنتجات مصنع سوفت … حيث كان يمدح المنتجات عندما يشتري لنا ما يلزم من أغراض للبيت … كان يقول لهم” أنا أعمل بهذا المصنع وأصحابه جماعة محترمين اشتروا منهم ” بالفعل حتى نحن بالبيت كنا نحرص دوما على شراء ما يلزمنا من محارم ورق صحي لكافة الاستخدامات من منتجات شركة سوفت للورق الصحي

مدير المصنع السيد مازن عبدالمجيد الفاعوري كان يقول ” أيمن ومجدي من خيرة موظفي المصنع عندي هما لهما الحق في دخول مكتبي بأي وقت دون استئذان وكان ينبه ذلك على قسم السكرتارية

كان أيمن نموذجا ناجحا لعمل متلازمة داون ضمن تجربة الدمج المجتمعي … لم يكن مصنعا أو شركة خاصة كل موظفيها من الداون ولم يكن صاحب الشركة أو مديرها العام السيد مروان عبدالمجيد الفاعوري لهما علاقة شخصية بمتلازمة داون وإنما كان الترشيح لهما لأيمن ومجدي بالتعاون والتنسيق مع المؤسسة السويدية التي كانت من ضمن أهدافها وبرامجها دمج فئات التربية الخاصة لديها بالمجتمع المحلي والتي لها قدم السبق في هذا المجال فهي السباقة في تطبيق الخطط والأفكار الخلاقّة في مجال الدمج المجتمعي وجعله حقيقة  على أرض الواقع  .. وكانت تجربة رائدة متميزة … تفخر بها المؤسسة  السويدية و تعتبرها إنجازا ونجاحا وصلت أصداؤها للسويد … حيث كان يزور الشركة وفودا أجنبية من السويد وغيرها لمتابعة هذه التجربة وللوقوف عليها على أرض الواقع

أيمن عامل نشيط , مواطن مخلص أتيحت له فرصة فأبدع وأنجز .. لكم أن تسألوا عن تجربة أيمن من خلال شركة سوفت للورق الصحي أو المؤسسة السويدية . أو كل من يعرفه من الأهل والأقارب …؟؟!!

تجربة رائدة وبكل فخر خاضها أيمن .. شهد له انتظامه بالدوام وإخلاصه في العمل واحترامه للتعليمات وحرصه على إتمام العمل الموكول له لا أبالغ إن قلت أن تلك السنوات كانت من أفضل سنوات عمر أيمن

كوّن أيمن علاقات مع زملاء عمله وبخاصة مع من يماثله ورفيق طفولته مجدي المومني .. وصديقه كذلك مدير شؤون الموظفين الأخ والسيد الفاضل الشيخ عبدالفتاح الفاعوري الذي ما زال على اتصال مستمر بأيمن يتصل به ويسأل عنه ويكلمه شخصيا ويطلب رؤيته ..  ..

عودّوا أولادكم الاعتماد على النفس , امنحوهم الثقة , تابعوهم لا تحرموهم من فرصة عمرهم .. الأمر ليس ماديا قدر ما هو مسيرة حياة يجب أن يخوضوا تجربتها وأنتم تعلمون أن قانون العمل والعمال للأشخاص المعوقين يوجب بتشغيل كحد أدنى 4% منهم في المؤسسات والدوائر والشركات والمصانع والمنشآت فلا تحرموهم من حق كفله لهم القانون بل هي دعوة لتفعيل هذا الحق .

اختار أخي أيمن التوقف عن العمل ذاتيا بإرادته الخاصة .. وبناء على رغبته ونزولا عند اختياره .. كان له ما أراد … يبدو أنه اختار لنفسه تقاعدا مبكرا ..

إن من أعظم متع الحياة أن تنجز شيئا قال عنه الآخرون مستحيل– لا مستحيل أمام الإرادة والتصميم .


رحمك الله يا أيمن .. كنت مثل للجد والنشاط والإخلاص مثلت نفسك وزملائك ووطنك .

 

 

تقبلوا فائق احترامي من أختكم

anteasar0

انتصار عادل الخطيب

 

 

http://4eras.blogspot.com/

عن التحرير

إدارة التحرير : ايميل asdmag.m@gmail.com واتساب: 00966568325825