أخبار عاجلة
الرئيسية / الميدان الفني / معوّقون يؤسسون جمهورية لصناعة المعجزات

معوّقون يؤسسون جمهورية لصناعة المعجزات

الشروق زارتهم في مراكز التكوين ووقفت على إبداعاتهم وإصرارهم على النجاح

حرفيون يتهافتون عليهم وشهاداتهم أغلى من الذهب

عندما تولد المعجزة من رحم الإعاقة

وكذّبوا كل الادعاءات بمحدودية قدراتهم.. قدموا من كل حدب وصوب وأسسوا جمهوريتهم الخاصة التي لا تعترف بالعجز ولا بالمستحيل فالتقوا في مركز التكوين المهني 4 طرق بالقبة المتخصص للأشخاص المعاقين جسديا لمزاولة تكوينات تمكنهم من الاندماج في مجتمع “طلّقهم بالثلاث”، ليحققوا بينهم ألفة ومحبة التقت فيها الارواح قبل الاجساد. “الشروق اليومي” التقتهم وقاسمتهم أحزانهم ومأساتهم لتنقل صرختهم على أمل إنقاذهم من جحيم حياة ظلموا فيها مرتين.

نادية سامية محمد سمير حسين مهدي وغيرهم كثيرون قطعوا مئات الكيلومترات قادمين من ولايات مختلفة على غرار الأغواط والجلفة وبشار وسطيف والمسيلة من أجل الظفر بتكوين يعينهم على الاسترزاق في هذه الحياة وإعالة عائلاتهم وذويهم وتأسيس أسر.

ويؤكد ساعي زين الدّين مدير مركز التكوين المهني 4 طرق بالقبة المتخصص للأشخاص المعاقين جسديا أنّ المعاق المكوّن يعادل شخصين عاديين غير مكونين لأنه يتمتع بقدرات خاصة يحاول تعويض النقص المسجل لديه فيبدع ويسخّر جل وقته لتكوينه وعمله وهو أكثر حرصا وانضباطا مقارنة مع الأشخاص العاديين، حيث يحاول الاحتفاظ بعمله بكل الوسائل.

وبشهادة الأساتذة والمؤطرين، فإن هؤلاء المعاقين يبلون بلاء حسنا فيما يقدمونه يبهرون به كل من يشاهده.

حرفيون يتهافتون على تحف المعاقين ويقصدون المركز لاقتناص اليد العاملة

 أجمع المشرفون على المركز أن تخصص السيراميك وموزع المكالمات الهاتفية وكذا تخصص الطلاء تكوينات تشهد نجاحا كبيرا وتوفر فرص عمل لخريجي المركز.

وكشف مدير المركز عن استقبالهم لبعض الحرفيين الراغبين في الظفر بيد عاملة مميزة من المركز بعد انتهاء التكوين وهو ما حدث مع كثير من الحالات التي أبدت قبولها واستعدادها لولوج العالم المهني.

ودعا إلى وضع مزيد من الثقة في هذه الفئة وإتاحة الفرصة لها لأنها حقا مميزة ومنضبطة.

كما أوضحت المهندسة المعمارية الأستاذة بطّاشي سامية في تخصص الطلاء والزخرفة أنّ بعض المتربصين يحصلون على فرص عمل مناسباتية نظرا لتميزهم وتحكمهم الشديد فيما يتلقونه، وهو ما يفتح لهم الأبواب مباشرة بعد تخرجهم.

معوّقون ينشئون مؤسساتهم الخاصة ويتميزون في مناصب هامة

 من جهتها الأستاذة بطّاشي سامية كشفت عن إنشاء العديد من المتربصين المتخرجين لمؤسساتهم الخاصة المصغرة في إطار صيغة وكالة أونساج أو أونجام وهي تجارب ناجحة في المجمل.

ويقوم كثير من المعاقين المتخرجين والناجحين بزيارات إلى المركز ما يعتبر تشجيعا للمتربصين الجدد وتحفيزا لهم على السير على خطاهم لبلوغ ما حققه أسلافهم.

وبدوره أكد السيد صاعي لقاءه للعديد من خريجي المركز في مناصب عمل هامة في بعض الإدارات الجزائرية آخرها عندما التقى موظفا في إحدى المصالح الإدارية أثناء استلامه لبطاقة تعريفه البيومترية وهو اعتبره فخرا للمركز.

كما أنّ المتخرجين القدامى حافظوا على علاقتهم بالمركز ويشاركونه كل احتفالاته كما يترددون عليه من حين لآخر اعترافا منهم بالجميل ووفاء لمن اشرفوا يوما على تكوينهم.

امنحونا الفرصة وإن أخطأنا اطردونا..

نادية شاوي 22 عاما من ولاية الجلفة متربصة ضمن تخصص الإعلام الآلي المكيف وموزع المكالمات الهاتفية  كانت لسان حال كثير من زملائها، حيث اغتنمت وجودنا لتوجيه صرخة لأرباب العمل والمسؤولين في هذه البلاد قصد منحهم فرصتهم في العمل مثل غيرهم ورسالتها هنا، كما قالت، موجهة للأشخاص العاديين فـ”المعوق قادر على كسر كل الحواجز إذا منحت له الفرصة.

وهو نفس ما قاله محمد بن شهرة وحسين جرماني وسمير حميدات وحسين ربيعي وخرباش خالد ومهدي وغيرهم، حيث اجمعوا على تهميشهم وإقصائهم من فرص العمل حتى النسبة العديمة لـ 1 بالمائة لا يطبقها أرباب العمل ما يتطلب حسبهم صرامة من قبل السلطات التنفيذية لمراقبة مدى تطبيق القانون ومعاقبة كل مؤسسة تقفز عليها.

ومن الأمثلة الناجحة بعض الأساتذة في المركز الذين كانوا متربصين ابدوا تفوقا كبيرا فتم توظيفهم لاحقا على غرار الأستاذة سامية أوحاشي وأستاذ تخصص السيراميك.

 المدير أبونا ومسعفنا والأساتذة إخوتنا وأصدقاؤنا..

بعيدا عن الأهل وجوّ الأسرة الدافئ يصنع المتربصون المعوقون جوّهم الخاص بدفء مشاعرهم وخوفهم على بعضهم شباب وشابات أصبحوا إخوة في الله يقضون مع بعض أحلك الأوقات وأسعدها وأمتعها.

فالجميع يشهد لمدير المركز صاي زين الدين أنه بمثابة الأب والأخ الأكبر والمسعف الاستعجالي الذي يسارع في كل مرة لإنقاذ المتربصين من وعكات صحية ليلية وهنا يستحضر محمد إصابته بآلام حادة في احد ليالي الجمعة حيث تم الاتصال على وجه السرعة بالمدير الذي لم يتردد في اصطحاب المريض بسيارته إلى المستشفى ولم يغادره إلا بعد الاطمئنان عليه.

كما استحضرت نادية حادثة أخرى مع المدير تصب في نفس السياق.

وإلى جانب المدير يجتهد الأساتذة في توفير جو اسري للمتربصين بعديا عن المقاعد البيداغوجية حيث يستمعون إليهم ويقفون على مشاكلهم ويحاولون مدّ يد العون لهم، سيما المحتاجين منهم.

من جهته المدير استشهد بحالة أحد المتربصين الزوالية الذي يعاني مرضا مزمنا تم توقيف تأمينه لفترة ما حال دون تمكنه من اقتناء الدواء فما كان من الأساتذة والإدارة، إلا جمع مبلغ من النقود وصرف الدواء حتى لا تتأزم حالته الصحية.

وتقول سامية أوحاشي نلاحظ في أحيان كثيرة تغير مزاج المتربص وحالته النفيسية فندرك فورا أن الشخص على غير ما يرام نتقرب منهم ونحاول التنفيس عنهم سيما وانّ اغلبهم بعيد عن أهله ويخضع للإقامة الداخلية، وتضيف الأستاذة من حين لآخر نخلق جو المرح والدعابة داخل القسم لكسر الروتين.

“المايسترو” جرماني حسين كفيف يؤنس وحشة المتربصين

حسين جرماني متربص مكفوف في تخصص الموزع الهاتفي الإعلام الآلي المكيف خريج الجامعة الجزائرية حاصل على ليسانس لغة فرنسية من ولاية بشار يمتلك مواهب عديدة في العزف على الآلات الموسيقية، حيث درس الموسيقى في مدينته لفترة من الزمن.

وجهنا إليه زملاؤه على أنه المايسترو الذي يؤنس وحدتهم من خلال مجموعات صغيرة يرددون فيها بعض المعزوفات تنسيهم وحدتهم وبعدهم عن الأهل.

حسين قال إنه يعزف كل الطبوع الشعبي والشرقي والمغربي وهي هواية تعلمها منذ الصغر، يحاول من خلالها خلق اجواء ممتعة في إطار اخوي وحميمي.

أساتذة معاقون وآخرون يتعلمون لغة الصم البكم من تلامذتهم

كل ظروف المعاق نتفهمها تقول الأستاذة سامية أوحاشي، لكن هذا لا ينفي أبدا الصرامة داخل الورشة “ولا اسمح لأحد التحجج بوضعه أو ظروفه فأنا أيضا مكفوفة وحرمت من أهلي في سن صغيرة لأزاول تعليمي وأمر بكل ما يمرون به وأحس بكل ما يحسون به”.

وهو نفس ما أكده أستاذ السيراميك المعاق هو الآخر”صم بكم” حيث أكد أن المتربصين لديه منضبطون ويقدمون عملا جيدا وهم أسرة واحدة يبتئس الواحد منهم لحال الآخر ويحاول البعض مساعدة الآخر.

أمّا بطّاشي سامية أستاذة الطلاء والزخرفة فأعربت أنّها تعلمت لغة الصم البكم لاحتكاكها الكبير بها وهو ما سرّها كثيرا إلى جانب أساتذة آخرين لقنهم تلامذتهم لغة الإشارات ما اعتبروه تبادلا معرفيا بين الفئتين.

معوقون ضحايا الحوادث بسبب تقاعس البلدية في تهيئة الأرصفة ووضع الممهلات

يتعرض المعوقون المتربصون إلى حوادث متكررة على مقربة من المركز لدى دخولهم أو خروجهم وذلك بسبب غياب التهيئة الخارجية للمحيط المجاور من قبل بلدية باش جراح التابع لها وأكد لنا مدير المركز انه قام بمراسلات للبلدية لتجنب هذا الوضع المأساوي المزمن لكن إلى غاية الآن لم يستقبل أي رد من الجهة المعنية.

وعدّد لنا الأساتذة والمتربصون حالات الحوادث التي راح ضحيتها معوقون من المركز بسبب السرعة المفرطة للسيارات في غياب ممهلات أو إشارات مرورية للتقليل من السرعة أو الإدارة إلى وجود معوقين على مقربة.

حتى الأرصفة يقول هؤلاء يتجمع بها الركام والنفايات وكثيرا ما يتعثر فيها المعاقون ويسقطون ناهيك عن البرك المائية المنتشرة هنا وهناك.

وعن هذا يقول سمير من سطيف المعاق حركيا ” أحيانا نخرج فنضطر للمشي على الطريق لان الرصيف تحول إلى مفرغات للنفايات والركام ومرات لركن السيارات”.

مكسب منذ 30 عاما بحاجة لاهتمام أكبر

دعا العديد من المتربصين إلى ضرورة الحفاظ على المركز وتخصيصه بالرعاية اللازمة من صيانة وتهيئة لورشاته المختلفة التي تضرر بعضها بسبب الأمطار سيما الأسقف  والجدران.

وتقول المتربصة نادية “هذا المركز مكسب للأجيال ولنا نحن المعوقون لذا نطلب من السلطات منحه اهتماما أكبر”.

ويستفيد حوالي 120 معاقا في كل دورة تقريبا من التكوين بمركز المعاقين جسديا بالقبة قادمين من كل ولايات الوطن ضمن صيغة الإقامة الداخلية التي تستقطب 30 شابا و60 شابة حاليا، وتتراوح الفئة العمرية لهؤلاء المتربصين بين 16 عاما فما فوق تصل أحيانا إلى سن الأربعين.

ويستقبل المركز المؤسس منذ حوالي 30 عاما مختلف الإعاقات الجسدية منها البصرية والصم البكم والأمراض المزمنة والإعاقات الحركية.

ومن أهم تخصصاته الإعلام آلي والبستنة صناعة الحلويات والسيراميك والإعلام الآلي بالبرايل وكذا موزع المكالمات الهاتفية.

وتوفر فرص التكوين ضمن صيغ مختلفة هي التكوين الإقامي حيث يكون الحضور إجباريا للمركز يوميا وكذا التمهين والدروس المسائية ابتداء من الرابعة مساء، كما وقع المركز اتفاقيات مع المدارس البسيكوبيداغوجية التابعة لوزارة التضامن قصد تكوين الراغبين منها.

 

المصدر / الشروق 

 

..

عن التحرير

إدارة التحرير : ايميل asdmag.m@gmail.com واتساب: 00966568325825