أخبار عاجلة
الرئيسية / آفاق نفسية / السلوك الإنساني في إطار التكوين المجتمعي

السلوك الإنساني في إطار التكوين المجتمعي

 

 

 

السلوك هو كل ما يمارسه الشخص ويحس به ويفكر فيه، بصرف النظر عن الهدف الذي تنطوي عليه الممارسة أو الإحساس أو التفكير، وعلى هذا فإن السلوك يشتمل على ما يقوم به الفرد من أعمال أو أنشطة أو تعبيرات أو استجابات. ومن السلوك ما هو ظاهر ومنه ما هو مستتر تصعب على الآخرين ملاحظته بسهولة.
وتباينت النظريات التي تفسر السلوك، ويرجع ذلك التباين إلى ضعف مستويات مناهج وطرق وأدوات البحث في العلوم، إضافة إلى أن بعض الباحثين في هذه المجالات لم يستطع التخلص مما تمليه عليه بيئته الثقافية من بعض أنماط السلوك كالتعصب والتحيز. لذا ظهرت تأملات عن السلوك لم تكن غير انطباعات ذاتية.
ومن بين النظريات التي لاقت شيوعاً كبيراً في تفسير السلوك لأمد غير قصير تلك التي تقول إن الغرائز هي التي تكمن وراء السلوك على أساس أنها ميول فطرية وراثية دافعة للقيام بسلوك ما لإشباع حاجة حيوية.
وكان عالم النفس البريطاني مكدوكل أول من أكد هذه النظرية، أما الطبيب النمساوي سيجموند فرويد، فقد كان يرى أن طاقة نفسية تولد مع الإنسان تتولى تحريك السلوك، وابتدع واطسون النظرية السلوكية التي اعتمدت على أبحاث سابقة عن سلوك الحيوانات.
ومرت المدرسة السلوكية بمراحل عدة حتى ظهر في الثلاثينيات مجموعة من الباحثين ممن أطلق عليهم اسم السلوكيين الجدد، أو الشرطيين الذين تأثروا إلى حد ما بأفكار “بافلوف” الذين يعزون السلوك إلى الاستجابة الشرطية وينكرون دور الجهاز العصبي في السلوك.
أما نظرية الصيغة، فإنها أدخلت اتجاها جديدا في دراسة السلوك من خلال تركيزها على الطابع المنظم للخبرة والسلوك؛ حيث تركز هذه النظرية على دراسة الإدراك على أساس مقومات عدة في مقدمتها أن الأجزاء المدركة تتخذ صيغتها من خلال علاقتها بالكل.
وتبع ذلك ظهور نظرية “المجال” التي ابتدعت مفاهيم جديدة لتفسير السلوك، مستندة إلى التفكير الحديث في علم الطبيعة والرياضيات في تفسير الظواهر النفسية وعنيت بالموقف الذي يتفاعل فيه الفرد واستبعدت الخبرات الماضية في تحديد المدركات الجديدة.
ويوجه نقد إلى هذه النظريات في الوقت الحاضر؛ حيث ترجح النظريات الحديثة اعتبار البيئة الثقافية هي نقطة البداية في دراسة السلوك ما دام الشخص في تفاعل اجتماعي مع تلك البيئة، لذا يكتسب منها أنماط السلوك، ويتصرف على أساس ذلك.
وعلى هذا فإن النظريات التي تنسب السلوك إلى ذات الفرد وحدها أو إلى البيئة وحدها ليست صحيحة، لأن السلوك هو محصلة للتفاعل بين الشخصية التي عملت الثقافة على بلورتها وبين الثقافة نفسها؛ حيث إن الشخص يحس ويدرك ويستجيب ويفكر ويعمل بطريقة تحددها عناصر الثقافة التي يحيا في حضنها ويتشكل سلوكه ليتلاءم معها.
والطفل، على هذا الأساس، يمتص خلال أطوار طفولته أنماط السلوك المختلفة السائدة في المجتمع، لذا فإنه لو عزل عن الثقافة لاتبع سلوكاً مختلفاً يمكن أن يوصف بأنه ساذج وبدائي، وعلى هذا لو بُعث إنسان من العصر الحجري القديم إلينا لدهش لما يراه من أنماط السلوك السائد في ثقافتنا الحالية.
والسلوك في مجمله لا يخضع في الغالب للعقل، قدر خضوع العقل للمعايير الثقافية؛ حيث إن الأشياء والمعاني تفقد دلالتها خارج إطارها الثقافي، لذا يقال إن الثقافة هي نظرية في السلوك أكثر من كونها نظرية في المعرفة.
وتأكيداً لخضوع العقل للثقافة في أكثر الأوقات، نشير إلى أننا لو حاولنا التقصي عما يثبت صحة كثير مما نحمل من أفكار ومعتقدات لوجدنا أنفسنا عاجزين عن ذلك، ويرجع هذا إلى أن الإنسان يتقبل الكثير من الأفكار والمعتقدات ذات التأثر في السلوك بدون أن تتوفر له أسباب منطقية تحمله على ذلك التقبل، وكل ما هناك أنها انتقلت أثناء تفاعله بالمجتمع فأصبحت جزءا من بنيان سلوكه.
وحتى العلماء الذين ابتدعوا كثيراً من النظريات حول السلوك، خضعوا إلى حد ما للثقافة السائدة في مجتمعاتهم، “فوليم مكدوكل” الذي عزا السلوك إلى الغريزة تأثر بالواقع الثقافي في مجتمعه، رغم توجهه العلمي؛ حيث اعتبر بعض الأفكار السائدة في ثقافة مجتمعه حقائق مسلماً بها بما في ذلك الإيمان بتفوق عنصر إنساني على آخر، واتفاق نظرته مع النظرة الشائعة في عصره ذات الصفة الميكانيكية التي تنظر إلى أي ظاهرة طبيعية من خلال البحث عن مكوناتها الأولية.
لذا كانت نظريته في السلوك أقرب إلى الوصف منها إلى التفسير؛ حيث وضع تقسيمات للأنماط السلوكية، وأطلق على كل قسم منه اسم غريزة بدون تفسير طبيعة الغريزة نفسها. أما “فرويد” فقد اتجه في تفسير السلوك إلى وجود دوافع فطرية، وكانت عوامل عديدة قد أثرت في اتجاهه هذا منها نشأته في أسرة واجهت كثيراً من الصعاب المالية والمشكلات العائلية وإسهامه في الحرب العالمية الأولى كطبيب وتعبيره عن شعوره إزاءها بأنها تعبير عن الوحشية الكامنة في النفس الإنسانية، مما جعله ينظر إلى الإنسان نظرة متشائمة.
أما النظريات السلوكية فقد تأثر مفكروها الأميركان بما حصل من تقدم في الجوانب المادية كالتطور الآلي، لذا ذهبوا في تفسير السلوك على أساس ميكانيكي من خلال تحليل السلوك إلى عناصر خارجية وداخلية واستجابات أو ردود أفعال.
وعلى أي حال، فإن سلوك الأطفال هو وليد الثقافة؛ حيث يتعلم الطفل أنماطاً محددة من السلوك، وتهيئ له الثقافة مقابل المواقف الجديدة التي يواجهها لأول مرة من خلال تعميمه نمطاً سلوكياً محدداً، وينطبق هذا على ما هو سلوك عملي أو سلوك انفعالي من خلال ما يبديه من أنماط سلوكية في المواقف المتماثلة أو المتقاربة.

عبد العزيز الخضراء
كاتب وباحث تربوي

 

..

عن التحرير

إدارة التحرير : ايميل asdmag.m@gmail.com واتساب: 00966568325825