أخبار عاجلة
الرئيسية / الأخبار / تامر أنيس.. أول أصم يخترق أبواب الجامعات الحكومية بـ”الصدفة” ثم “الشكوى”

تامر أنيس.. أول أصم يخترق أبواب الجامعات الحكومية بـ”الصدفة” ثم “الشكوى”

سنابل الأمل / متابعات

كتب / سلوى الزغبي

لم يرضخ لإعاقة فرضها عليه الواقع، ولم تستسلم لرياح اليأس راياته، فتح الأبواب الموصودة أمامه، باللين حينًا والنزاع أحيان أخرى، حتى وصل إلى ما لم ينله غيره ممن عانوا ضعف السمع والصمم، وصار “تامر أنيس” أول طالب “أصم” يخترق أبواب الجامعات الحكومية، متحديًا من لا يدرون شيئا عن معاناة تستبيح مشاعر الأصماء، بحرمانهم من الالتحاق بالجامعات الحكومية أسوة بأقرانهم.

“دواء خاطئ”.. عبارة صغيرة حملت قدرا كبيرا لطفل لم يتجاوز عمره عامين، وُلِد سليمًا لا يعاني شيئا، حتى أصابته “حُمّى” صاحبها كتابة الطبيب لدواء خاطئ، أدى إلى ضعف سمعه حتى أصبح “أصم”، لم تتركه والدته لقدره، وقررت ألا تستسلم هي أو صغيرها لتلك العاهة، ولم تُعلمه لغة الإشارة، بل صممت على أن ينطق ويتعلم الكلمات ويسمعها باستخدام سماعات مخصصة.

يروي تامر أنيس، لـ”الوطن”، عبر ترجمة فيروز الجوهري مترجمة لغة الإشارة في المجلس القومي لشؤون الإعاقة، رحلته مع العلم، التي بدأت بالتحاقه بمدرسة ابتدائي ثم إعدادي للصم في العباسية، مستخدما السماعة، التي فشلت في إخفاء إعاقته ولم تف بالمطلوب، وأصبح راقصا على سلم التخاطب، لا يستطيع التعامل بالإشارة مع زملائه لعدم اعتياده عليها، أو استيعاب حديثهم من خلال حركة الشفاه، حتى قرر الاستغناء عنها، لما مثلته من “صداع كبير” وفجوة في تعامله مع الآخرين.

كان “تامر”، الذي أصبح اليوم عضوا في المجلس القومي لشؤون الإعاقة، متفوقا في مواد الرياضة والعلوم، وفي المقابل، ضعيفًا جدا في مادة اللغة العربية، التي كان المُعلمون يعطوه إجاباتها في الامتحان، بدلا من إفهمامها له ولأقرانه، وذلك لصعوبتها على الصم، بخاصة في أركان “النحو والأدب والبلاغة”، التي تعتمد على مخارج الألفاظ.

انتهى المطاف بـ”تامر” كما خُيّل له، حصل على الشهادة الإعدادية في العام 1980، درس “النجارة” خلال المرحلة، حيث أتاحت له المدارس الإعدادية المهنية الفرصة، للاختيار بين النجارة والتريكو، فاختار الأولى، علها تفيده إن لم يستطع الالتحاق بكلية الفنون التطبيقية، وتنفعه في حال قرر فتح ورشة للعيش من دخلها، لعدم وجود مرحلة ثانوية للصم حينها.

أحلام “تامر” كادت تتحطم على صخرة مرحلتي التعليم الأساسي، بدءًا من الدراسة في مدرسة الصم لمدة 8 سنوات في المرحلة الابتدائية، عكس الأصحاء الذين يدرسون حتى الصف السادس فقط، وفي الإعدادية، وقفت أمامه مناهج اللغة العربية، التي يدرسها طلاب الابتدائية من الأصحاء، ما يشعره بالإحراج من رؤية جاره لما يدرسه، ويعمل على دراسة مناهج شقيقه، بخاصة العلوم والرياضة اللاتي يهواهما، ويقرأ المجلات والكتب، ويبحث عن كل ما يأتي في ذهنه بمساعدة والدته.

اهتم “تامر” بالهندسة والرسم منذ نعومة أظافره، كان يهوى تفكيك “العربيات اللعبة” وتركيبها مع شقيقه، واكتشاف ما بها وتجميع ما ينقصها، حتى التحق بالعمل وهو ابن الـ17 عاما في شركة “المقاولون العرب”، وكان يعمل حرفيا، يجمع الرسومات التي يلقيها المهندسين بعد الانتهاء منها، ليُحلل ما بها في المنزل ويحاول تقليدها.

“جامعة أمريكية للصم”.. خبر تطرقت إليه مسامع المراهق الذي حلم بالسفر إلى الولايات المتحدة الأمريكية للالتحاق بها واستكمال دراسته، محاولا إقناع والدته بإخبار “ابن خالها” الذي يعيش هناك، بأن يساعده في الدراسة بأمريكا، إلا أن الوالدة رفضت ابتعاد ابنها عنها، خوفا من غربة لا ترحم.

سعت مع مديري الشركة لتذليل العقبات التي تقف في طريق ابنها، مثل معاملته كحامل للأخشاب إذا تغيّب العامل، حتى اقترح عليها المدير أن يكمل الصغير تعليمه الثانوي بنظام “المنازل” كباقي العمال، وألحقته والدته بمدرسة “الأقباط الثانوية الصناعية منازل”، وهي مدرسة غير مخصصة للصم، يدرس بها من الساعة الرابعة مساءً وحتى الثامنة، بعد أن ينتهي من عمله في الشركة صباحا.

“الكارنيه يغلب الموهبة”.. الصدمة التالية للشاب الأصم، كانت رفض شؤون الطلبة في المدرسة تسليمه الكارنيه الخاص به لأنه “أصم”، ولا يصلح أن يكون في المدرسة، وصعّدت والدته الأمر إلى مدير المدرسة، فيما كان الشاب فرحًا لأن الفرصة تقترب من السفر إلى أمريكا، لكن موافقة المدير على إلحاقه خيّبت آماله، وتخرج منها بتقدير “ممتاز” في الرسم الفني، و”ممتاز جدا” في الرياضة”، و”ضعيف” في اللغة العربية، وكان الثالث على مستوى الجمهورية.

تقدّم بشهادته في مكتب التنسيق للالتحاق بكلية التربية قسم صناعات خشبية، كونه الثالث على الجمهورية، بينما من حق الاثنين الأوائل الالتحاق بكلية الفنون التطبيقية، وبعد قبول أوراقه وعند إجراء الكشف الطبي واكتشاف أنه “أصم”، أرسل الأطباء تقريرا إلى عميد الكلية بأنه لا يصلح، وتم تحويله إلى كلية الفنون التطبيقية، لطابعها العملي، لكنها أيضا رفضته، حتى صعّدت والدته الأمر إلى وزير التعليم العالي، وهددت برفع قضية، إلا أن الوزير طالبها بعدم رفعها، ووافق على إلحاقه بكلية الفنون التطبيقية.

“الإحراج”.. كان الشعور الذي سيطر على “تامر أنيس” منذ أول أيامه في كلية الفنون التطبيقية، بالتزامن مع عمله كرسام هندسي في شركة بتروجيت، فكان يتعامل مع زملائه من خلال الورقة والقلم، رغم السخرية التي كان يقابلها من كثيرين وتلاسنهم عنه، إلا أنه كان يواجههم بعبارة “ربنا اللي هيحاسبكم”.

بعد دخوله الجامعة بشهرين، بدأ تامر يتقرّب من زملائه، وتعرض لاستغلال بعضهم، حين قرر أن يرسم لهم الرسومات المطلوبة، التي تمثل 75% من المنهج، على أن يفيدوه بالنظري ونسبته 25%، وكان يرسم لهم بخط خفيف ويرسم لنفسه بخط ثقيل، حتى تفاجأ بأن زميله حصل على “امتياز”، بينما حصل هو على “جيد جدا”، وبتوجهه إلى أستاذ المادة مستفسرًا عن السبب، أخبره بأنه قال إنه يريد خط خفيف، فعلم “تامر” أن زميله كان يعرف، لأنه سمع الدكتور وخدعه لعدم إخباره، وطلب إعادة الامتحان، وبعد الموفقة حصل على “امتياز”.

طوال 4 سنوات، فترة دراسته في الكلية، لم يقل تقدير “تامر” عن “جيد جدا”، وكانت مشروعاته تحصل على “امتياز”، وكان يحق له أن يكون معيدًا، إلا أن اللجنة رفضته لإعاقته، وخدمة ترجمة الإشارة لم تكن موجودة وقتها، وأصبح مهندس تصميم داخل الشركة التي يعمل بها، حتى وصل إلى منصب مدير بالشركة.

حصل “تامر” على زمالة منظمة “أشوكا” الدولية، لتصميمه كتابًا مخصصا للصم، يوازي كتاب “العلم نور” الصادر عن الهيئة العامة للكتاب، ويشمل الكلمات وصورة مرفقة للإشارة المعبرة عنهم لتسهيل محو أميتهم، متمنيا عمل ملحق توعوي للتلاميذ مكون من 20 صفحة، حتى يستطيعوا التعامل مع الصم، وتعليم لغة الإشارة لطلاب قسم التربية الخاصة بكلية التربية الفنية، لإمكانية تشغيلهم في مدارس الصم، وتدريب طلاب كلية رياض أطفال على لغة الإشارة لتعليمها للتلاميذ.

عن أنوار العبدلي