أخبار عاجلة
الرئيسية / الأخبار / إسراء.. طالبة ترسم الحياة ببصيرتها وتشتمّ رائحة الألوان

إسراء.. طالبة ترسم الحياة ببصيرتها وتشتمّ رائحة الألوان

 

 

سنابل الأمل / متابعات

منى أبو صبح / عمان

“أمي أنا أرسم” لن تنسى الطالبة اسراء الجداية هذه الكلمات، وهذا اليوم الذي أخبرت به والدتها بأنها ترسم بعد تلقيها الحصة الأولى في الرسم على يد الفنان التشكيلي سهيل بقاعين في أكاديمية المكفوفين الأردنيين.
“إسراء الجداية” ذات الـ (17 عاما) ولدت منذ الصغر لديها إعاقة بصرية كاملة، لكن ذلك لم يمنعها من حب الفنون والحياة.
تروي اسراء” كيفية اكتشاف موهبتها بالرسم بقولها: “بدأ اهتمامي بالفنون، وأنا في الصف الرابع، فكنت أسارع للنشاطات المدرسية المختلفة التي تقوم الأكاديمية بتنظيمها، وفي بادئ الأمر شدتني النشاطات الموسيقية، اهتممت بها، وتعلمت العود إلى جانب التفات المعلمين لموهبة الغناء التي أملكها، وعليه تم اختياري في فرقة شعاع النور في الأكاديمية”. تضيف “رغم تعلمي للموسيقى والغناء، الا أن تعلم الرسم ظل حلما يراودني بين الحين والآخر، إلى أن جاء معلمنا الأستاذ الفنان سهيل بقاعين، فقد آثار فضولي جدا وتوجهت لسؤاله كيف ستعلمنا الرسم؟؟ كيف سنعرف الألوان ونتقن رسم الأشكال ونحن لا نراها”.
ابتكار الفنان التشكيلي فكرة “الرسم بالشم” كانت الوسيلة الناجعة لتعليم إسراء وزملائها في الأكاديمية فن الرسم، حيث انتقى ألوانا لكل منها رائحة تشير للون (الأحمر: الكرز، الأخضر: النعنع، الأصفر: الليمون)… وهكذا.
تقول اسراء: “استطعت التمييز بين الألوان، ويتم اختياري لها وفق إحساسي بتناسب الألوان، وما يدور بمخيلتي كما علمنا الفنان سهيل، فاللوحة نتاج الإحساس والخيال”.
شغف اسراء وولعها بالرسم.. ومن ثم إتقانه على يد الفنان سهيل جعلها تشعر بأنها كونت صداقات مع الألوان تحاكي بها الطبيعة ومشاهد متنوعة في الحياة، إلى جانب بث العديد من الرسائل التي تجول بخاطرها.
تصف اسراء لحظة رسمها للوحة بقولها: “عندما بدأنا بتخيل الأشياء قبل تنفيذها على الورق، واجهنا صعوبة، لكن شيئا فشيئا، تحفز خيالنا بالعديد من الصور والإيحاءات، فأصبحنا مبصرين بما نراه في مخيلتنا وهو شعور جميل جدا زادنا ثقة واندفاعية أكثر في الحياة”.
وعن تمييز الأحجام والنسب في اللوحات تبين، “ليس مطلوب من الرسام أن ينقل الواقع كما هو، بمعنى أن يكون رسما دقيقا منظما، وإلا أصبح الرسم تصويرا، وإنما أقوم بالرسم بشكل تقريبي وفق شعوري الداخلي بما أريد رسمه”.
تجد اسراء أن الفن وسيلة للتعبير عما في داخلها، وأداتها التي ستنقل بها للمجتمع رأيها في كل ما يدور به.
تقول اسراء عن مشاركتها بمعرض “عبق اللون”: “عندما بدأنا التحضير لمعرض عبق اللون لا يمكنني وصف سعادتي حينها، بأن الجمهور سيرى لوحاتنا، ويبدي رأيه بها، أشعر بالفخر أمام عائلتي التي لم تتوان يوما عن دعمي وتشجيعي على الرسم رغم أنني في مرحلة الثانوية العامة، ويتطلب ذلك الدراسة جيدا للحصول على معدل جيد يؤهلني الالتحاق بالجامعة”.
رسمت إسراء لوحات عدة، وادخلت فيها الورود، وأضافت عليها بعض الملصقات وأجادت تنسيقها، فبدت وكأنها تتجه لفن “الكولاج”، كما أبدعت برسم الحديقة الخضراء ضمن مفرداتها، ورسمت العصافير وخروجها من القفص، وكأنها تشير للإنطلاق والحرية التي تؤمن بأهميتها الكبيرة في الحياة، وفق قولها.
تقول: “سررت جدا بمشاركتي في المعرض، وأبدى الزوار إعجابهم بلوحاتي وزملائي أيضا، وأسعى دائما لحضور المعارض لزملائي، وأطمح في المستقبل أن أقوم بزيارة معارض الفنانين التشكيليين الخاصة”.
تطمح إسراء أن تتعلم أكثر وأكثر في الفن وتتقنه جيدا، حتى يتسنى لها الإبداع وتطوير موهبتها، وتوسيع ثقافتها في الفن بالتعرف على أساليب الفن المختلفة، وأن تصبح فنانة تستطيع إقامة معارض خاصة بها ومميزة بذات الوقت.
الفنان التشكيلي المبدع سهيل بقاعين استطاع اكتشاف موهبة اسراء والعديد من الموهوبين المكفوفين خلال مسيرته الفنية الغنية، من ضمنها البحث عن المواهب الدفينة لدى الطلبة في الرسم وصقلها، حيث كان لديه شغف بالفن منذ الطفولة وأحبه كوسيلة تعبر عن ذاته والإنسانية.
يقول بقاعين حول موهبة اسراء: “شدني اهتمام وشغف اسراء بالرسم منذ الحصة الأولى، وكأنها وجدت ضالتها في هذه الحصة، تسأل.. تجرب.. تتفاعل.. تنفذ..، لديها أفكار جميلة.. وإحساس مرهف في الرسم.. لم تتغيب عن تلقي دروس الرسم، رغم انشغالها وضيق الوقت لديها بحكم الاستعداد لخوض امتحانات الثانوية العامة”.
اقتحم بقاعين عالم الجمال واللون، واكتسب طاقة إنسانية منسجمة مفعمة بالعطاء الإنساني جسّدها في تجاربه الفنية من خلال تعامله مع الطلبة وتقريب الفن لنفوسهم والنبش عن موهبة اللون داخل كل منهم للتعبير عنها، وكان نشطا حيويا متنقلا بمشاريعه من مكان لآخر في المملكة، مما جعلها تلقى صداها دوليا.
يبحث بقاعين عن التميز والإبداع في تجديد الفن الإنساني، وعليه تم التعاون مع الأكاديمية الملكية للمكفوفين بتخصيص حصة إسبوعية لتعليم الطلبة الرسم واكتشاف مواهبهم من خلال ابتكار طرق مادية وحسية ومعنوية مكنتهم من إطلاق العنان لحواسهم المكبوتة، وبدأ الرسم بالبصيرة باعتمادهم على الصورة في مخيلتهم.
نقل بقاعين مخيلة المكفوفين من الأذهان للورق، حيث يجسدونها بانتقاء الألوان عن طريق حاسة الشم، فالأحمر لون الكرز والتفاح، والأخضر لون النعنع، والأصفر ليمون، والبرتقالي برتقال وهكذا.
حقق بقاعين حلم المكفوفين المبدعين بمشاركتهم في انجاز أكبر جدارية في الأردن تحت عنوان “قارئ اللون” عرضها 12 مترا وطولها 50 مترا.
تلاها مبادرة ومعرض “عبق اللون” الذي  يأتي استكمالا لمسيرة خمس سنوات من العمل الدائم مع طلبة الأكاديمية.
واشار بقاعين إلى أن قصة “عبق اللون” الذي طبع منها نحو الف نسخة، هي بمثابة القصة المتنقلة في مدارس المملكة لتعريف الطلبة بقصة نجاح طلاب الاكاديمية وكيف تحولت الاعاقة الى طاقة.
ومن إنجازات بقاعين أيضا، فكرة المتحف المتنقل بالتعاون مع المتحف الوطني للفنون الجميلة التي حملت هدف الاقتراب بالفن إلى كل الفئات والمدارس ومراكز الإحاطة بالمكفوفين وذوي الاحتياجات الخاصة ليدخل عالمهم فيتعلم منهم ويعلّمهم وينجز ويساعد ويقدم أعمالهم للعالم ويقدمهم كفنانين تشكيليين بكامل الحضور، مشروع حيوي هدفه نبذ العنف والأفكار الظلامية الهادمة ونشر الطاقة الإيجابية وثقافة الفنون التي تساهم في خلق الانفتاح الجمالي على الوطن والعالم عند الأطفال وكل الفئات العمرية.
ومشروع “المتحف المتنقل” الذي بدأ بمناسبة اليوم العالمي للمتاحف في 18 أيار (مايو)  2009 تنقل في المدن الأردنية حيث قام بأكثر من 500 رحلة، اصطحب أعمالا فنية من المتحف الوطني الأردني للفنون الجميلة حملها لأبناء القرى رافعا شعار “الفن للجميع” ولم يقتصر المشروع على حمل الأعمال الفنية فقط بل قام بورشات عمل فنية ومحاضرات لفنانين ومختصين “الجمال، اﻷلوان، الرسم، التجريد، اﻻنطباعية، السريالية، التكعيبية”.
يذكر أن الفنان سهيل بقاعين من مواليد 1969 الأردن، شارك في العديد من المعارض المحلية والعربية والعالمية، حاصل على دبلوم إدارة المطارات، عمل لمدة 25 عامًا في مجال السياحة والسفر الذي عرّفه على ثقافات العالم المتنوعة وقاده إلى متاحفها.

عن أنوار العبدلي