قوقندي في اليوم الدولي للأشخاص ذوي الإعاقة 2019

قوقندي في اليوم الدولي للأشخاص ذوي الإعاقة 2019

سنابل الأمل/ متابعات

يحتفل العالم باليوم الدولي للأشخاص ذوي الإعاقة في الثالث من ديسمبر من كل عام، وهذا العام 2019 يركز على أهمية تمكين الأشخاص ذوي الإعاقة من أجل التنمية الشاملة المنصفة والمستدامة، وبهذه المناسبة استعرض عليكم قصة نجاح ملهمة لأحد ذوات الإعاقة البصرية الذين حولوها إلى طاقة إيجابية تعزز مشاركة المعاقين في المجتمع والتنمية المستدامة، إنها تجربة الشابة سندس محمود قوقندي التي أصيبت بإعاقة بصري نتيجة داء السكري الذي أصبح من أخطر أمراض العصر، فهو المسبب السابع للوفاة والسبب الرابع للعمى وفق منظمة الصحة العالمية.السكري واعاقتي البصرية.

ولدت في 12/02/1987م بالطائف من أبوين سعوديين ولي أختين و4 أخوة، والتحقت بالمدرسة الابتدائية التاسعة، وحينما كنت في الثامنة من عمري وأنا في الصف الثالث شعرت بأعراض غير طبيعية، عطش شديد وجفاف في الفم وكثرة دخول دورة المياه ليومين، ولم تعر أسرتي اهتمام بذلك ظناً منهم أن الأمر طبيعي، وفي اليوم الثالث بينما كنت أقف في طابور الصباح سقطت مغشيا عليَّ، وعلى الفور نُقلت إلى مستشفى الملك فيصل بالطائف وتبين أنني مصابة بداء السكري من النوع الأول، وكانت نسبته 500 ومكثت لمدة أسبوع في صراع مع المرض كدت أفارق فيها الحياة.

غادرت المستشفى وبدأت حياة جديدة مع المرض دون وعي أو إدراك مني أو من أسرتي بمدى خطورته لعدم وجود تجربة سابقة معه في العائلة وقلة التوعية به آنذاك.

كان عليَّ اتباع نظام غذائي خاص، وأخذ حقنة الأنسولين يومياً، عانت والدتي معي كثيراً فقد كنت أتناول كل ما يحلو لي من الحلويات والمأكولات خفية عنها حتى لا توبخني، كما كانت معلماتي وزميلاتي بالمدرسة يحذرنني من الإهمال والإفراط في تناول السكريات ولم أبالي أو أعر أي اهتمام لنصائحهم أو أمارس أي نشاط رياضي.

وفي العام 1425هـ تخرجت من الثانوية وكنت أطمح أن أدرس التمريض، مانع والداي ذلك فالتحقت بقسم التغذية وعلوم الأطعمة بجامعة الملك عبد العزيز بجدة وسكنت في شقة بمفردي بجانب أخي، وتابعت علاجي بمستشفى مدينة الملك عبد العزيز الطبية، كان الأطباء يركزون على القدم السكرية والمحافظة على الكلى دون تحذيري بخطورة إهمالي بالنظام الغذائي فاستمريت في عادتي الغذائية وعدم ممارسة الرياضة رغم مجال دراستي الذي يتضمن مواد عن التغذية الصحية.

في غضون ذلك انتقلت أسرتي للعيش في جدة بحكم عمل والدي، وفي العام 1429هـ تخرجت من الجامعة، وعملت فنية تغذية في مستشفى خاص لمدة 8 أشهر، ولأفضلية المزايا انتقلت للعمل كسكرتارية طبية بمستشفى الملك فهد، في هذه الأثناء بدأت مضاعفات السكري تداهمني فواجهت مشاكل صحية في أسناني وعانيت من السمنة، وأصبت بنزلة معوية حادة أدخلت على إثرها المستشفى للعلاج لمدة 5 أيام، ومن حينها أصبحت أصاب بوعكة صحية بمعدل كل سنتين أدخل على إثرها المستشفى بسبب سكري غير المنتظم والنزلات المعوية الحادة، فبدأت أعي وأدرك خطورة مرض السكري علىَّ، وأهمية تقيدي بتناول العلاج بانتظام واتباع حمية غذائية وممارسة المشي ولو لنصف ساعة يومياً.

وفي نهاية عام 2012م انتقلت لعمل جديد في مستشفى أخر وفي أحد الأيام أصبت بجرثومة معدة أدت إلى نزلة معوية حادة جداً ودخلت في غيبوبة نقلت على إثرها إلى المستشفى لمدة أسبوع وعندما أفقت من الغيبوبة أصبحت رؤيتي ضبابية ولم أعد استطع ممارسة عملي بشكل طبيعي، فراجعت عيادة عيون لأول مرة وأبلغني الطبيب بوجود تليف في شبكية العين ووصف لي علاج مؤقت، ثم خضعت لعملية جراحية في شبكية العين، وكانت مرحلة ما بعد العملية من أصعب المراحل في حياتي حيث أمرني الطبيب بضرورة أن يكون اتجاه راسي إلى الاسفل دائما لمدة شهر حتى خلال نومي إلى أن تعود الشبكية لمكانها الطبيعي، وبعدها بستة أشهر أجريت عملية إزالة مياه بيضاء وزرع عدسة داخل العين، فتحسنت الرؤية وأصبحت أرى من الجوانب باستخدام نظارة طبية، وبسبب حالتي البصرية واجهت صعوبة في القيام بمهام عملي فأُنهيت خدماتي من المستشفى، فمكثت عدة أشهر في المنزل أفكر فيها كيف أستطيع العودة للعمل ثانية!؟ وكيف أمارس حياتي طبيعيا!؟ وكيف أكتب واتواصل مع البشر!؟، وانعزلت عن صديقاتي ولم أعد اتواصل معهن بحجة أنني لا أعرف استخدم الهاتف، وأصبحت حالتي النفسية والاجتماعية تسوء يوماً بيوم، وبدأت رحلتي مع الإعاقة البصرية.

حياة جديدة مع إبصاركنت رافضة لواقعي الجديد، ولم أحاول الذهاب إلى أي مراكز للإعاقة البصرية أو أبحث عن جمعيات لرعاية المكفوفين، على أمل أن بصري سيتحسن مع مرور الأيام، أو أجد نظارة طبية أفضل، وفي أحد الأيام قرأت والدتي خبر صحفي عن إقامة دورة في مهارات التوجه والحركة لذوي الإعاقة البصرية، تنظمها جمعية إبصار الخيرية، فسجلت فيها وسجلتني معها دون علمي، واقنعتني بحضورها، وخلالها التقيت لأول مرة بأشخاص من ذوي إعاقة بصرية بدرجات متفاوتة، ولاحظت استخدام بعضهم لهواتف وساعات ناطقة، وسمعت عن دورات أخرى تقيمها الجمعية مثل الحاسب الآلي وطريقة برايل، فتحمست وسجلت فيها، والتحقت ببرنامج تدريبي في الجمعية بدأ بتحويلي لأخصائي ضعف البصر بالعيادة هاني الرحيلي ففحصني ووصف لي مكبر ونظارات طبية وأعطاني إرشادات غيرت مجرى حياتي اليومية، فاستطعت أن أرى واقرأ بشكل أفضل بالمكبر ثم انخرطت في تدريب الحاسب الآلي وطريقة برايل، وكان المدربين قمة في الاحتراف وحسن التعامل معي.

بدأت أتأقلم مع إعاقتي البصرية بشكل سريع واكتسبت مهارات استخدام الحاسب الآلي وأذكر أنه في أحد الأيام أثناء مغادرتي لمقر الجمعية وسيري في الممر اصطدمت بباب الممر الزجاجي فلم أدرك أنه مغلق، وأصبت بكدمة في وجهي وكسرت نظارتي وتألمت كثيراً حينها أدركت أهمية استخدام العصا البيضاء في التنقل، وأصبحت استخدمها في تنقلي رغم ما كنت اتعرض له من نظرة بعض الأشخاص لي واستغرابهم من مشيي بالعصاء البيضاء.

وبعد شهرين أُلحقت ببرنامج الجمعية لتأهيل وتوظيف ذوي الإعاقة البصرية الذي كانت تتعاون فيه مع إحدى الشركات بتحمل راتبي وتأميني الطبي نظير تسجيلي ضمن موظفي الشركة في نطاقات، وأن أمارس عملي كموظفة خدمة عملاء في الجمعية، ففرحت بعودتي للعمل مرة أخرى، وبعد إثبات قدرتي على العمل قامت إدارة الجمعية باعتماد صرف مكافأة شهرية إضافية ليتوافق أجري مع مؤهلي العلمي وسنوات خبرتي الوظيفية.

في غضون ذلك نظمت الجمعية ملتقى للمتدربين وأسرهم بمستشفى سليمان فقيه بمناسبة اليوم العالمي للبصر، خلاله قدمت دكتورة في التربية الخاصة من جامعة الملك عبد العزيز «د. شادن عليوات» محاضرة عن تجربتها مع فقدان البصر، وكيف تغلبت عليه وواصلت دراستها الاكاديمية إلى أن حصلت على شهادة الدكتوراة وأصبحت أستاذة جامعية في الأردن ثم في جامعة الملك عبد العزيز وشاركت في العديد من المحافل الدولية، وتأثرت بها كثيراً فكانت بمثابة الإلهام لي لأن أنطلق في حياة جديدة وطبيعية مع أسرتي واصدقائي، وتعلمت منها الكثير عن كيفية التعايش مع إعاقتي البصرية في حياتي اليومية، وكيف أتقبلها وأوجه المجتمع من حولي بكيفية التعامل معي دون أن يشعروني بأنني عاجزة، ومنها أصبحت أشعر بالارتياح كموظفة واعتمد على نفسي في حياتي الوظيفية واساعد المستفيدين بكل ما أعرف من معلومات ولو كانت بسيطة، وأحببت فريق العمل الذي ساعدني على تحقيق إنجازاتي الوظيفية، اذكر منها مشاركتي ضمن فريق عمل تنظيم دورة العناية الإكلينيكية بضعف البصر في العام 2013م كنموذج دراسة حالة للتطبيق عليها خلال التدريب الإكلينيكي، وتمثيلي الجمعية في ملتقى الصداقة للمكفوفين بمملكة البحرين في العام 2014م، وملتقى صلالة التاسع والملتقى العربي للمكفوفين بسلطنة عمان في العام 2015م.وأهم ما أتذكره قصتي مع أحد المستفيدين الذي جاء للتسجيل بالجمعية وكان حديث عهد بإعاقته البصرية نتيجة داء السكري، وفي حالة نفسية سيئة وغضب شديد وتذمر من أنه لم يرى وجه زوجته وأولاده منذ أشهر، فقلت له بتلقائية أحمد الله أنك لم تراهم منذ أشهر، فأنا لم أرى نفسي في المرآة منذ سنوات، فوقعت عليه تلك الجملة كالصاعقة فهدء وبدء يحمد الله ويشكره، وساءلني عن حالتي وكنت أجيبه بكل أريحية وماذا يجب عليه فعله، وبالفعل التحق ببرامج الجمعية وبمرور الوقت تحسنت حالته النفسية لدرجة أنه أبلغ جهة عمله عن الجمعية ودورها وكيف أثرت عليه وأقنعهم بزيارتها، وعلى ضوء ذلك قدمت الشركة دعم مالي للجمعية لما التمسته من أثر ودعمتها سنوياً.الخروج من إبصار والمستقبل المنظورفي أواخر العام 2015م تغيرت إدارة الجمعية وحلت إدارة جديدة ألغت الاتفاقية التي كنت أعمل بموجبها مع الجمعية، وانهت خدماتي رغم محاولاتي الاستمرار في العمل دون جدوى، شعرت بحزن شديد وخوف من المستقبل حيث أصبحت دون عمل مرة أخرى وقد لا اجد فرصة للعمل في أي مكان آخر، ولكن وقوف والدتي بجانبي وتشجيعها لي بالصبر والبحث عن بدائل جعلني أتجاوز ذلك الشعور، وفي أحدى الأيام أبلغتني الدكتورة شادن عليوات بإن الجامعة فتحت باب التسجيل في برنامج للدبلوم العالي في مجال التربية الخاصة مسار عوق بصري في العام 2016م، فسجلت فيه على أمل أن أجتازه للعمل كمعلمة بمعهد النور للكفيفات بجدة.استمعت بالبرنامج وأنا أتعلم منه لحظة بلحظة أشياء جديده وقررت أن افيد قريناتي من الكفيفات بتغيير نظرتهن عن الإعاقة البصرية خاصة من أصيبوا بها على كبر، وبعد تخرجي التحقت بدورة لإعداد المدربين للتمكن من ذلك، وفي عام 2018 م حصلت على الرخصة الدولية للمسئولية الاجتماعية، وسجلت في موقع وزارة التربية والتعليم كي التحق بمعهد النور للمكفوفين كعضو تدريس.أنقضت 3 أشهر وأنا أبحث عن عمل لأمارس تخصصي الجديد وما تعلمته دون جدوى، ففكرت أن أحصل على اعتماد التدريب المهني حتى أصبح مدربة معتمده لتدريب ذوي الإعاقة البصرية على التكيف مع إعاقتهم وتدريبهم على الاستقلالية الذاتية في حياتهم عن طريق اكتساب مهارات الحياة اليومية، وحاولت العودة للعمل في جمعية إبصار كمدربة ظنناً مني أنني سأكون أفضل الخيارات لهم، وفوجئت باعتذار الإدارة عن قبولي لأنهم في طور إعادة هيكلة جديدة وليس لديهم شاغر، فكان ذلك بمثابة خيبة أمل لي لرغبتي الشديدة في إفادة ذوي الإعاقة البصرية بما اكتسبته من مهارات وخبرات، وبحثت عن فرصة عمل أخرى حتى حصلت على وظيفة موظفة خدمة عملاء بمركز طبي للعلاج الطبيعي بعد اقتناعهم بقدراتي العملية.

وحلمي الآن أن أكون سفيرة للنوايا الحسنة كي أساهم إيجابيا في قضايا العوق البصري والمعوقين بصرياً في العالم، وشعاري دائما “أعيش في سلام داخلي، فشكراً وحمداً لله الذي سيرني لأكون شخصا إيجابياً بكل ما تعنيه الكلمة من معنى بعد إصابتي بالعمى”ورسالتي إلى أقراني من ذوي الإعاقة البصرية أن يكونوا أشخاصاً منجزين ولهم دور ودافعية في المجتمع، كما أوصيهم بالاستمتاع بكل لحظة وأخذ الأمور بكل سهولة وبساطه وأن يكون تفكيرهم إيجابياً ولا يفكرون بالأمور السيئة التي من الممكن أن تدمر أوقاتهم الجميلة، وإلى أولياء أمور ذوي الإعاقة باحتواء أولادهم ودعمهم لأن الاسرة من أهم اسرار إنجاز الشخص ذو الإعاقة البصرية.

وانصحهم بالتثقف والقراءة عن العوق البصري كي يكونوا من أركان توعية المجتمع به، وأرجو أن تخصص وزارة التعليم منهج بسيط أو حصص جزئية لإكساب الأطفال والطلاب في مرحلة المتوسطة والثانوية عن كيفية التعامل مع ذوي الإعاقة البصرية، حتى يكبروا ويتعلموا بان ليس هناك فرق بل اختلافات جسدية فقط، وان ذوي الإعاقة ينجزوا في المجتمع كغيرهم ولكن بتقنيات مختلفة، وان تستفيد الجهات المعنية بالتوعية من تجارب الأشخاص ذوي الإعاقة.

كما أرجو من عيادات ومستشفيات العيون استحداث أقسام لتوجيه وإرشاد المرضى عن مرحلة ما بعد الإصابة بالإعاقة البصرية.

وأن يهيئ مسئولو المنشآت والمؤسسات الحكومية مبانيهم بسهولة الوصول الشامل حتى يتمكن ذوي الإعاقة البصرية من ارتيادها والاستفادة من خدماتها، وأخيراً أطالب المجتمع بالتخلي عن نظرة الشفقة تجاه الأشخاص ذوي الإعاقة.

وعلى كل مريض بداء السكري ضرورة الحذر منه وأهمية متابعة شبكية العين والاسنان والكلى، وعلى أولياء أمور الأطفال المصابين بداء السكري التدرج في توعيتهم وتثقيفهم بأضراره، فأنا أعض أصابع الندم على إهمالي طيلة السنوات الماضية، ولكني أقول «رُب ضارة نافعه».

عن أنوار العبدلي

اضف رد